وبعدَ سنينَ من البعثةِ يجتمعُ كفارُ قريشٍ في دارِ الندوةِ في مناقشةِ الطريقةِ المثلى في التخلصِ من محمدٍ صلى اللهُ عليه وسلمَ كما وصفَهم اللهُ تعالى:(وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) فكانتِ الخياراتُ بينَ القتلِ والحبسِ والإخراجِ من مكةَ، ثم اتفقوا على قتلِه ولكن أنقذَه اللهُ تعالى من القتلِ فخرجَ مهاجراً إلى المدينةِ كما قالَ عزَ وجلَ: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا)…وتأملوا معي ذلكَ الموقفَ المحزنَ الذي يصفُهُ عبدُ اللهِ بنُ عَدي رضي اللهُ عنه بقولِه: (رأيتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ واقفا على الحَزْوَرَةِ، فقالَ: (واللهِ إنكِ لخيرُ أرضِ اللهِ، وأحبُ أرضِ اللهِ إلى اللهِ ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرجتُ) وفي حديثِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما أنه قال:(ما أطيبَكِ من بلدٍ، وأحبَّكِ إليَّ، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرَكِ).
يا أهلَ الإيمانِ،إن حبَ الأوطانِ،متأصلٌ في فطرةِ الإنسانِ ،فيه الماضي والذكرياتُ.. فيه المستقبلُ والأمنياتُ..فيه الأهلُ والأحبابُ..ومفارقتُه قطعةٌ من العذابِ.
وقد جاءَ في كتابِ اللهِ تعالى أن الخروجَ من الأوطانِ يعادلُ قتلَ النفسِ في البلاءِ، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً)، وفي قولِه تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ).
لذلك مدحَ اللهُ عزَ وجلَ المهاجرينَ بتضحيتِهم وخروجِهم من ديارِهم في سبيلِ اللهِ تعالى (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ).
ولما كانَ مفارقةُ البلدانِ .. مثيرةً للأحزانِ .. جعلَها اللهُ تعالى من العقوباتِ العظيمةِ التي تساوي القتلَ والصلبَ، فقالَ تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
وقد أخبرَنا ربُنا عزَ وجلَ عن قومٍ أُخرجوا من ديارِهم فأصابَهم الهمُ والغمُ .. ثم طلبوا الجهادَ في سبيلِ اللهِ تعالى ليرجعوا إلى وطنِهم الغالي على نفوسِهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا) فأقرَهم اللهُ تعالى على ذلك وبعثَ لهم طالوتَ ملِكاً.
يقولُ الجاحظُ في كتابِه (الحنينُ إلى الأوطانِ): (وكانتِ العربُ إذا غزتْ وسافرتْ حملتْ معها من تُربةِ بلادِها رملاً وعَفْراً تستنشقُه عندَ نزلةٍ أو زكامٍ أو صداعٍ).
وأما الشعراءُ فكانَ في أشعارِهم نصيبٌ من حب الوطنِ .. فيقول أبو تمام:
كم منزلٍ في الأرضِ يألفُه الفتى *** وحنينُه أبداً لأولِ منزلِ
نقِّل فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوى ***ما الحبُ إلا للحبيبِ الأولِ
بل يحبونَ أوطانَهم ولو لم يكن فيها شيءٌ جميلٌ:
بلادٌ ألفناها على كلِ حالةٍ *وقد يُؤْلَفُ الشيءُ الذي ليسَ بالحَسنْ
وتُسْتعذبُ الأرضُ التي لا هواءَ بها *ولا ماؤها عذبٌ، ولكنها وَطَنْ
فتذكروا أيُّها الأحبةُ من فقدوا الأوطانَ .. وكَثُرتْ عليهم الأحزانُ .. يتحسسون الأخبارَ .. وطالَ عليهم الانتظارُ .. فالصغيرُ مشتاقٌ إلى بيوتِها وشِعابِها .. والكبيرُ يتمنى أن يُدفنَ في تُرابِها .. فالقلوب تتقطعُ .. والنَّفوسُ تتطلعُ .. وعزاءهم: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَايَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
في كـُلّ يوم ٍ موطني في خاطري = والقلبُ يَخفـِقُ دائمَ التَّحْنان ِ
لو عشت ُ في أدنى الخيام ِ بموطني = لـَيَفوقُ عندي أرفعَ البنيان ِمُتـَغَرِّب ٌبالجسم أحيا غـُرْبتي = وهناك في وطن ِ الجدود ِ جَناني
في كـُلِّ رُكْنٍ لي هنالك قصة ٌ = في مسجدي في حَلْقة ِ القرآن ِ
في سَهْرة ٍ مَعَ أسْرتي وأقاربي =في مجلس ٍ للصَحْب والخلان ِ
وطني الحبيب فلا ولـَسْت ُ أبيعُهُ = لا والذي من نطفة ٍ سَوّاني
ووصيتي دفني به هـِيَ مـُنـْيَتي = من أجل ذاك مُجَهـِّزٌ أكفاني
أحبتي : وأنتم تعيشونَ في وطنٍ قد حوى بينَ جوانبِه الخيرَ الكثيرَ .. فهذا بيتُ اللهِ عامرٌ تهوي إليه أفئدةُ المسلمينَ في كلِ مكان .. وهذا مسجدُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلمَ تُشدُ إليه الرحالُ في كلِ زمانٍ .. أمنٌ وأمانٌ .. وتحكيمٌ بشريعةِ الإيمانِ .. شعائرُ التوحيدِ ظاهرةٌ .. ومظاهرٌ الشركِ داحرةٌ ..أمرٌ بالمعروفِ والخيرِ ..ونهيٌ عن المنكرِ والشرِ فلكَ الحمدُ ربنَا حتى ترضى ولكَ الحمدُ إذا رضيتَ.. اللهم أعنا على ذكرِكَ وشُكرِكَ وحُسنِ عبادَتِكَ.
أيها الأخوة الكرام ..
احذروا كفر النعمة التي أنتم فيها والزموا شكرها .. فإن اللهَ تعالى إذا شُكرَ باركَ وزادَ .. وإذا كُفرِ عاقبَ وأبادَ .. (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ).
اللهم آمنا في أوطانِنا، وأدمْ نعمةَ الأمنِ والاستقرارِ في بلادِنا، اللهم من أرادَنا وبلادَنا والمسلمينَ بسوءٍ فأشغلُه في نفسِه، واجعلْ كيدَه في نحرِه، واجعلْ تدبيرَه تدميرَه .. اللهم وفق إمامَنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده لما تحبُ وترضى وخذْ بناصيته للبرِ والتقوى، اللهم وفقه لهداك، واجعل عملَه في رضاك، وهيئ له البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ التي تدلُه على الخيرِ وتعينه عليه .
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ وَالْحَمْدِ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ . .







