بسم الله الرحمن الرحيم
علمتني الأربعون : [٤٠/٤]
(أن غلاء المهور عناء الظهور)
لقد زوجت ابنتي الكبرى بعشرة آلاف، وأولمنا في بيتنا بشاة واحدة ، وحضرها عشرة فقط من أصحابي، وبات العروسان في فندق مطل على الحرم النبوي، وهما يعيشان الآن حياة سعيدة!
رزقهما الله سعادة الأمد والأبد، وزيادة الرشد والرشد،وودادة الوالد والولد!
قلت هذا إغراء لا إطراء وربي من وراء قلبي!
لقد دفعني لهذا تدليل وتعليل وتنزيل وهذه الثلاث ركائز الفقه!
أما التدليل: فكتاب وسنة وأثر:
فقد قال الله – تعالى :
[وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ] [النور:32]
وقال – صلى الله عليه وسلم :
( أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَئُونَةً ) أخرجه أحمد عن عائشة رضي الله عنها وصححه الحاكم وأقره الذهبي ، وقال العراقي في “تخريج أحاديث الإحياء” : إسناده جيد .
وعَنُْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قال:
” إِيَّاكُمْ وَالْمُغَالاة فِى مُهُورِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مَكْرُمَةً عِنْدَ النَّاسِ لَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَوْلاَكُمْ بِهَا…)
أخرجه الخمسة وأحمد والحاكم والبيهقي واللفظ له وغيرهم وصححه الشيخ الألباني رحمه الله.
وأما التعليل:
فلأن المهر ليس ثمن شراء المستباح، وإنما دليل قداسة النكاح!
إن الشرع لم يجعل المهر عوضا للتملك وإلا لجاز بيع الزوجة كما تباع الأمة!
وإن فهم ثمنيته عن البضع والوطر فهم فيه نظر إذ لو كان كذلك لما وجب لها لو مات الزوج قبل الدخول والخلوة!
بل شرع تكريما للمرأة الحرة ، وإثباتا لصدق النية في إقامة أسرة !
إنه رمز صيانة لا علامة إهانة!
إنه دليل أن المرأة جوهرة غالية وكنز ثمين يستحق أن يبذل الرجل للحصول عليه من ماله الذي كان له جموعا وبه منوعا وعليه هلوعا!
وكما يقول المثل الشعبي:(الغالي للغالي)!
وقد عده بعض أعداء الإسلام الطاعنين في أحكام الإسلام مظهر امتهان وثمن بضع وعوض سلعة وصدقته بعض الغواني.
قال شوقي : خدعوها بقولهم حسناء
والغواني يغرهن الثناء
وقلت : والغواني تغرهن المباني
إن لم يكن تأمل في المعاني!
ولذا فإن إسقاط المهر تفريط والمغالاة فيه إفراط يخرج به عن مقصود الشرع الوسطي الحكيم!
وأما التنزيل :
فهو ما قصدت بقولي: (عناء الظهور) فالمعنى المقارب وهو إثقال الكاهل بالمطالب، وتكليف الزوج مالا يطيق من المتاعب !
ولامرئ أن يفهم المعنى الأبعد وهو أن حب الظهور قصم الظهور، و التفاخر في المظاهر ليس من المفاخر! بل شر ظاهر!
وصدور الصغائر من القدوات يجعلها من الكبائر! فكيف إن كانت كبائر ؟!
وصدق الرجل المبارك ابن المبارك :
بقوله للعامة:
رأيت الذنـوب تميت القلوب
وقد يورث الـذل إدمانها
وقوله للخاصة:
وهل أفسد الدين إلا الملوك
وأحـبار سـوء ورهبانها
ومن ذكريات الأربعين أنني تزوجت بأربعين وأربعين وأربعين وأربعين !
وهذا مراعى فيه التخفيض للمستهلك !
من أجل حسن السيرة والمسلك!
بل من العجائب أن زوجي الغالية تقول: ما زال في ذمتك عشرة آلاف باقية!!
ألم تكن تلك الأربعونات لذينك الزوجين كافية
لبيت ساتر ومركب سائر وسرور غامر وغنى ظاهر! أم كتب القتل والقتال علينا
وعلى الغانيات جر الذيول؟!
وهذا البيت ينسب لعمر الذي ولد ليلة توفي عمر وكان الحسن البصري يقول:
هذا حق رفع، وشر وضع!
لتقوى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الحكم ولفحش عمر بن أبي ربيعة عفا الله عنه في الشعر!
وأذكر أنني نظمت في عنفوان شبابي قصيدة في ظاهرة غلاء المهور حين وصلت في بعض أسر فيفاء إلى نصف مليون ريال!
فتاة الخدر كفي لا تنوحي
وقولي ما بقلبك لي وبوحي
أروح فارق العمران جبرا
فما طيب المقام بدون روح
أخل قد سقاك غبوق ود
فكان الود سما في الصبوح
فقالت يا فتى مهلا علينا
فما قلبي لحب بالطموح
مرادي من يعف النفس مني
شبابا كان أم في عمر نوح
علاني الشيب في رأسي وخدي
رقيق اللمس أضحى كالمسوح
فقلت لم البكاء وأنت ريم
وكم من هائم فيك جموح
فقالت لي أب قاس أبى أن
يزوجني سوى من ذي الصروح
ولم يقبل تقيا إن فقيرا
ويزعم أنه لي بالنصوح
وكانت النهاية مؤلمة وإن لم يقرها الشارع إلا أنها حصلت في الواقع ؛
إذ رفعت يديها ودعت على أبيها!
جزى الله أبي من كل قرح
كما أدمى الفؤاد دم القروح!
وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم:
( إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ) أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه وحسنه الألباني في “صحيح الترمذي” .
بقلم/ د. محمد بن فرحان الفيفي
القاضي بالمحكمة العامة بالمدينة المنورة
في يوم الخميس ١٤٣٨/١/١٩ المدينة النبوية.








بسم الله الرحمن الرحيم ، ماشاء الله تبارك الواحد الأحد ، سبحان من حلاك بالدين والخلق والعلم والأدب أيها الشيخ الفاضل .
ورب السماء مااستطعت أن أرفع بصري عن هذه الخريدة الفريدة حتى أتيت على آخرها .
معظم مانجده اليوم من كتابات ومقالات ، نتخطى نصفها أو أكثر عندما نتصفحها ، والنادر القليل نقرؤه بتثاقل ، أما الأندر : فهو مانقرؤه بشوق وشغف ولهفة ، بل ينتهي ونحن نتمنى أنه لم ينته ! وهكذا نجد ماتسطره أنامل شيخنا الحبيب .
ماأروع الكاتب عندما يتمكن من بث أفكاره البديعة ، في حلة أدبية قشيبة ، تنساب في سلاسة ويسر وسهولة ، فتتسلل إلى القلوب كتسلل العذب النمير على فؤاد ذي الغلة الصادي . فتعلو لذلك قيمة المقال ولاسيما حينما تتصف بصدق الشعور ، وصفاء الروح ، وسلامة المنطق ، ونقاء السريرة ، إذ تبدو صوتا لخلجات الفكر في إطار من البيان البديع ، والقول الفصيح . وهو مانجده هنا .
ولاأدري هل أشيد بنثر شيخنا الفاضل ، أم بشعره ، فلقد برع في الاثنين معا ، أم أشيد بالمقدرة الخارقة على الاستدلال ومقارعة الحجة بالحجة ، وتقديم الدليل القاطع ، والبرهان الساطع .
وأستميح فضيلة الشيخ العذر ، لأني قد عزمت على استنساخ هذا المقال البديع ، لتقديمه في جلستنا القادمة ، لسعادة وكيل إمارة جازان ، كأنموذج لمايجب أن تكون عليه التوعية في قضية المهور .
زادك الله علما وفصاحة وقبولا في قلوب خلق الله .
لا فض فوك
بالله لفظك هذا سال من عسل أم قد صببت على أفواهنا العسل…