في هذه الشعيرة تختلط المشاعر وتتوحد النيات والمقاصد وتتطابق الكلمات وتنتظم الخطوات وتشرئب الأعناق وتتهدج الأصوات الملبية بين جنبات مكة ملبية لخالقها “لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك لاشريك لك ”
جملة واحدة ذوبت الفوارق ووحدت التوجه والإتجاه وحددت الوحدانية التي تستعلي على الوجود وقررت أن كل المخلوقين متساوون في الصفات إزاء الواحد الذي لا شريك له فالكل ضعيف عاجز والقادر القوي هو الله
ثم جاء اللباس الذي ينسف الفوارق الوظيفية التي جعلت الناس طبقات ومقامات مختلفة ما أنزل الله بها من سلطان فوحدهم في زي واحد إزار ورداء فقط ورؤوس حاسرة شعثا غبرا ضاحين أبصارهم وقلوبهم نحو العلي الأعلى فكل من في تلك العرصات أدنى وهو الأعلى سبحانه فكانوا متساوين في مشهد يكاد يختصر مشهد المعاد لرب العباد ليس هناك رهبة من مخلوق فالذي يرهبه الناس ويرهبون مقامه قد أصبح هنا في مقام الضعف والخنوع والذي كانوا يرجون خيره أصبح عاجزا أمام ملك الملوك ، الملك والمملوك والقوي والضعيف والكبير والصغير والشريف والوضيع والذكر والأنثى كلهم سواسية
والزمان واحد والشعيرة واحدة والأعمال واحدة والمشاعر واحدة والأقوال والأفعال واحدة في حشد كبير لا تستطيع أي مناسبة في الدنيا أن تأتي بمثله لاعددا ولا تنظيما
الذي يدهشني هو وحدة المشاعر والإنفعالات لهذه الجموع الغفيرة فكأن الشعيرة استطاعت أن توحد تلك المشاعر والإنفعالات حسب فاعلية الشعيرة ومدلولاتها وكأني بالأمكنة وهي تنطق أمامهم فتقول لهم “كان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالأمس هنا” فتجتاحهم تلك المشاعر وتسلب منهم الألباب فيغرقون في أبعادها التاريخية والجغرافية
وينكفئون إلى هناك الزمنية بعد أن وقفوا هنا الوقفة المكانية
لقد أسقطوا كل الإعتبارات الدنيوية فتوحدوا نحو الإعتبارات الأخروية تركوا الدنيا بكل زخارفها هناك وراءهم المال والبنون والأزواج وكافة الشهوات المقيدة لهم وتحرروا من ربقتها وسطوتها وانطلقواملبين النداء الذي نادى به أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام -يحدوهم الأمل أن ينالوا مرضاة الله تعالى-
بقول الله تعالى” وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ” فامتلأ مسمع الزمان بذاك النداء تتناقله الأمم والأجيال عبر الحقب التاريخية المتعاقبة كل أمة تقوم بالأنساك التي فرضت عليها حتى جاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأقام النسك كما أمره الله به وكان يقول عقب كل منسكٍ ” خذوا عني مناسككم ” فطبقه أصحابه معه حرفيا ولازالت شعيرة الحج قائمة إلى يومنا هذا بأنساكها دون زيادة ولا نقصان ولله الحمد والمنة
هناك أكثر من عشر مقالات نشرتها في صحيفة المدينة سابقا عن فلسفة الحج وكذلك حلقات إذاعية في إذاعة القرآن الكريم لمن أراد الإستزادة
وفق الله الجميع لمايحبه ويرضاه وتقبل من الحجيج حجهم وأعادهم لأوطانهم سالمين غانمين وحمى بلاد الحرمين من كيد الحاسدين ومكر المتربصين وصلى الله على من خير من لبى وصلى وصام سيدنا محمد خير الأنام وعلى آله وصحبه الأئمة الأعلام








ابدعت بكلماتك .
سلمت يداك .
وكل عام وانت وجميع الاهل والاحباب وجميع المسلمين بخير .
وادام الله علينا وعليكم الصحه والخير والامان