لغة الحيوانات والتعامل معها
في أمسية ربيعية رائعة من أمسيات مدينة الرياض الجميلة، كنا نتحلق مجموعة من الإخوة حول أخ كريم، كان له تجربة طويلة في الرعي والعيش في البادية، ولديه العديد من الذكريات والمعلومات القيمة، كان يحكي باسترسال عن ماض جميل ونحن منصتون، ينساب حديثه عذبا جميلا، كما هو متميز على الدوام، وبالذات عندما يبحر بفكره إلى الماضي القديم، وذكريات الطفولة والشباب ، فيحلق ويغوص في عالم هو اقرب للخيال بالنسبة لمعظمنا، ولكن أسلوبه الباهر الشيق يقرب لنا كثيرا من تلك المعاني، وكان للجو في تلك الليلة دور كبير في إضفاء شيء من العبق الجميل ، وكانت المعلومة المبهرة الجديدة ، دور في هذا التفاعل والانسجام ، مما جعلنا نطلب منه الاسترسال كلما حاول إنهاء حديثه، ومع انه يتحدث عن بعض ذكرياته الشخصية التي عاشها في زمن مضى، إلا أنها ذكريات مختلفة وغريبة على معظمنا ، ووجه الغرابة انه لا يتحدث فيها عن ذكرياته مع البشر ،بل مع أصناف من الحيوانات الأليفة، وكيفية التعامل معها والتكامل البناء في تربيتها ، وكلها كما أسلفت أمور نجهل معظمها وعالم لم نعرفه كثيرا .
انه عالم مجهول على معظمنا ،وبالذات ابنا الجيل الحاضر ، لقد عشنا معه أحلاما سعيدة، لأنه يتحدث بلسان الخبير الواعي، من خلال تجربة شخصية ثرية ، ومن خلال محبة وعشق واضح، وكما قيل : ( ما صدر من القلب فهو يقع في القلب مباشرة )، وهو ما كان عليه الحال، وقد حاولت رصد بعض ما علق بذاكرتي، وتوقفت عند كثير من المعلومات الغزيرة والعبارات الغريبة على سمعي ، فسعيت بطلب خاص إليه أن يوضح لي بعض هذه النقاط التي لم استوعبها في حينه، لتكون المعلومة شاملة كاملة ودقيقة، لتفيد عند عرضها واطلاع القارئ الكريم عليها(كما افعل هنا).
للأسف اليوم أن حرفة (الرعي) ومعظم أسرارها قد تبدلت وتغيرت، وفقد كثير من قواعدها المتوارثة، لهجرها من أبناء هذه البيئات، وممن كانوا يتوارثونها ويعملون بها، فمعظم الناس في هذا العصر الحديث، استعانوا عليها ببعض الرعاة ممن استقدموهم من دول عديدة، ومعظمهم قد لا يتحدثون اللغة العربية، فهو كما يقال: (أعجمي يقود عجماء).
لندلف مع صاحبنا في حديثة المفيد، ولا بد أنكم ستستمتعون وتستفيدون كما فعلنا ، حيث يقول :
يسمي بعض الناس هذه الحيوانات الأليفة من بهيمة الأنعام (الحلال)، ويسمونها في مناطقنا وما جاورها (الهوش ـ أمهوش)، وهي الماشية بأنواعها من ابل وبقر ومعز وضان، ولكل نوع أسماء خاصة بها على النحو التالي ، فالإبل يلفظون اسمها في المنطقة (بلن أو أمبل) ، وأما البقر (بقرن أو أمبقر) ، والماعز (عطاين أو غنمن أو شواهن )، والضان (أمنعاج أو نعاجن) هذه الأسماء العامة، وهناك تسميات خاصة حسب عمر كل واحدة منها، فيختلف من الصغيرة إلى الكبيرة حسب التسلسل التالي ، فتسميات الإبل يكون كالتالي : (أمسقب و أمسقبة ،و أمفرود و أمفرودة، و أمقعود وأمبكرة ، وامجمل وأمناقة ، وأمشارف)، والبقر (أمعجل و أمبهمة ،و أمتبيع وامخبشة ،وأمستعب و أمثور وأملاه ، وأمقرومة )، والماعز ( أمسرو و أمسروة ،و أمجدي وأمجدية، و أمعناق وأمفرقد، و أمتيس و أمشاة) ، والضان ( أمسرو و أمسروة، وأمفرير وامفريرة ،وامرخلة وأمكبش وأمنعجة ) ، وجميعها يحدد عمرها بموجب السن على النحو التالي ( جدعة ، ثنية ، رباعن ، سديسن ، لفافن ، جامعن) .
وهناك لغة تخاطب تعارف عليها الناس لمخاطبة هذه الحيوانات وتوجيهها عند سرحها أو عند إعادتها أو نهرها أو إيرادها للسقي أو الحلب على ما يلي : فالإبل تخاطب بـ: (آه آه ويهي) إن أردتها أن تعود إلى البيت، وتذكّرها أثنائه باسمها الخاص (لان لكل واحدة اسم خاص بها)، وإذا أردت أن تسقيها فتقول (ويه ويهن) وفي حالة نهرها تقول (قر قر)، ومع البقر فتقول لها في أمرها بالعودة (ويى وي هلّ لآه)، وللعودة تقول (هلم هلم هلّ لاّه) فـ(لاه اسم البقرة ـ فصيح) وللثور تقول (قوم) ليتوقف، و(وعهلم) للعودة ، (وح وح) للنهر وطرده ، والماعز تخاطبها عند سوقها إلى المرعى (آي عي هآوه ـ آي عي هآوه)، ولورود الماء تقول (أه وي أه وي)، وللراحة والقيلولة تقول (أوقيل أوقيل) لترتاح في مكان ظليل اخترته لها ، وعند أمرها بالنهوض بعد هذه القيلولة لتنتشر من جديد في المرعى فتقول (أوحي أوحي)، فإذا ما أردت منها السرعة في المسير، أما لوجود خطر قادم من مطر أو سيل، فتكرر بصوت مرتفع (أوحي أوحي ها ها هاو) ، وأما مناداة بعضها فتقول لها (تعي تعي)، وأما الضان فلنهرها تقول (تبش تبش) و(تنفط) عليها وهو (نفخ الهواء بقوة من داخل اليد بعد تكويرها على الفم فتصدر صوتا قريبا من صوت أداة التنبيه (البوري) في السيارة) فتسرع بالحركة عند سماعها ، وأما مناداتها فهو (تعي تو تعي تو).
بالطبع معظم الضان والماعز المربى، يكون لكل منها اسم خاص بها قد ألفته، فعندما تسمع اسمها وأنت تناديها به تتجاوب معك في الحال، إما برفع صوتها (تهذي)، أو بالإسراع راكضة إليك، وهذه التسميات عادة توضع لها إما اقتباسا من لونها أو شكلها المتميز عن الأخريات، فبالألوان هناك المنقطة تسمى (بردة)، والجميلة تسمى (ملحاء)، والحمراء تسمى (دهماء)، والبيضاء (عفراء)، وأما من حيث الشكل فـ (الجماء) التي لا قرون لها، و(الرعثاء) التي يوجد لها حلمة أو حلمتين متدلية تحت الدقن، و(الكحلاء) كحيلة العينين، وهكذا تتم التسمية بما يميزها عن غيرها، ومع تكرار سماعها لهذه الاسم ومناداتها به من صغرها تألفه وتتجاوب معه.
بل إن للأغنام قيادات تأتمر بأمرها وتتبعها، فبعضها يكون متميزا في تصدره للمجموعة، فإذا ما توجهت تبعها بقية القطيع، وتكون عادة من الكبيرات في هذا القطيع إما (الأمهات) أو (الفحل) ،وأكثر شيء فيها هي (الأمهات) لان التواصل بين الحيوانات مع الأم أكثر من غيرها، فهي تتواصل مع ما يتناسل منها، ويستمر هذا التكاثر والتواصل في أكثر القطعان، فتجد كل فرع من هذه الفروع عند المسير وعند المبيت وفي القيلولة يلتف حلقات حول الأم الكبيرة حول بعضه بعضا، بل إن معظم الأمهات تطرد كل من ينضوي معها من الفروع الأخرى ، وهذا الفرز الذاتي يسهل على الراعي عمله في تسييرها وفرزها وتفقدها، فيتعرف على المتخلف منها بسهولة ، بل من العجب أن الفحل الذي هو القائد، وهو كثير الحركة والتنقل بين القطيع، تجده عند المبيت في الليل ينضم إلى فرعه الأصيل، فينام في الغالب قرب أمهاته وأخواته .
دعونا نبحر أكثر في هذا العالم العجيب، ونعيش يوما واحدا كاملا في حياة راع من الرعاة، نستعرض من خلاله أهم أعماله اليومية، ونتعرف أكثر على هذه المهنة، ونطلع على صورة تقريبية لما هم عليه، وما يميز حياتهم وأسرار عملهم :
فالرعي كما ذكرنا من أقدم الحرف وأشرفها ، هي مهنة عظيمة مارسها أفضل الخلق وأكرمهم، عمل في الرعي الأنبياء والمرسلون، عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم ، قال الله تعالى عن موسى عليه السلام (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج …. الآية )، والمعروف من سياق الآيات انه يرغب منه أن يرعى له الغنم ، وأولاد يعقوب عليه السلام، كانوا أهل بادية يرعون الأغنام، كما هو معروف في قصة يوسف عليه السلام ، وقد عمل بهذه الحرفة أيضا سيد البشر وخاتم الأنبياء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عليه الصلاة والسلام (ما من نبي إلا ورعى الغنم، قالوا وأنت يا رسول الله، قال : كنت أرعاه على قراريط لأهل مكة ) .
ونحن نسمع في بيئاتنا وغيرها الكثير مما يقال عن تربية الغنم، وما تتميز به من الذكاء وخصائص يسهل التعامل معها، وما تتميز به من الفهم والإدراك للكثير من التعاملات مع رعاتها، وتجاوبها معهم في المناداة والنهر والتوجيهات الضرورية ، وتجاوبها مع ما يطلق عليها من الأسماء ، وفي إمكانية تعليمها لأمور كثيرة تعين الراعي في التحكم فيها، فصاحب الغنم يطلق على أغنامه أسماء وصفات يميز به بعضها عن بعض، و يناديها بها ويناغيها فتتجاوب وتستجيب لما يطلبه منها ، وتتكون بينهم علاقة حميمة وتآلف بديع، وكذلك بين الغنم مع بعضها البعض، مما قد يرتقي بها في بعض الأحيان إلى شيء من الصفات البشرية في الفهم والإدراك في نطاق هذه البيئة المحدودة ، وقد يستغرب كثير هذا القول بحكم كونها حيوانات عجماء، ويرى في ذلك مبالغة في القول وينكر كثيرا منه، ولكن تواتر الروايات من المحترفين لمهنة الرعي في بيئتنا وفي أنحاء العالم من قديم وحديث يثبت ذلك ، وما نشاهده في بعض وسائل الإعلام من أفلام واستطلاعات مصورة، وما يكتب في كثير من الكتب والصحف من عدة بلدان متفرقة في العالم ،ومن بيئات متعددة، ومن أزمنة متعاقبة، كل هذه التراكمات تثير لديك تحفزا للاستزادة من معرفة هذا الجانب ، وتجد كثيرين تنقصهم هذه المعلومة بل ويتشوق معظمهم لمعرفتها ، والبعض لا يلقي لها بالا ويعتبرها من سقط المتاع ، ومن الثقافة العامة التي لا ينفعك معرفتها ولا يضرك الجهل بها، وقد يكون ولكن دوما يتطلع الإنسان ويتشوق لمعرفة كل جديد وغريب، ويتحفز للإطلاع على كل جديد إذا ما أتيحت الفرصة له لمعرفته، (وقل ربي زدني علما) .
يبدأ يوم الراعي مع تباشير الصباح، ومع بزوغ أشعة الفجر، حيث تبدأ الحياة تدب في محيط بيت الراعي، من ثغاء الحيوانات مستبشرة بهذا الصباح الجديد، وما هي إلا فترة والكل ينهض من مرقده، سواء كان من البشر أو الحيوانات، الكل يتمطى ليذهب عن جسده اثر الانطواء لساعات طويلة في نوم عميق ، وليقوم الكل صحيحا نشيطا، فتخرج الأغنام عندما يفتح لها باب الحظيرة (امقادعة على امزربة) فتجتمع في الساحة حول البيت (أمعذرة أو أمسندة) وفي هذه الساحة يتم عملية الإعداد والتفاقد والتهيئة والفرز، فبعضها سينطلق إلى المرعى وبعضها سيبقى ، وهنا يبدأ الإعداد بعملية الحلب وإرضاع الصغار، فالضروع تكون مليئة بالحليب الذي تجمع طول الليل، فمن كانت ذات وليد صغير أرضعته بما يكفيه طول النهار، لأنه لن يرافقها حيث سيبقى داخل البيت أو حوله، وهذه الرضعة سيكتفي بها إلى المساء حتى عودتها، ولابد لعملية الحلب والإرضاع من إتباع نظام دقيق، تشرف عليه وتتابعه صاحبة البيت، فالصغار تحتاج إلى الإرضاع لفترة معينة ، ثم يتدرج بها وهي تكبر قليلا قليلا إلى أن تنفطم، وحتى تعتمد على الكلأ بالكامل، فصاحب الغنم بحاجة إلى الاستفادة من هذا الحليب، أما لشربه طازجا أو لمخضه واستخراج الزبدة منه لصنع السمن ، فاللبن هو الأكثر مردودا يعول عليه صاحب الغنم عند تربيته لها ، لذلك يتم التعامل على مقتضى الاستفادة القصوى منه، ولما كان الصغير بحاجة أيضا للحليب في غذائه ، لذلك يترك له فرصة أن يرضع كامل اللبن في فترة من الفترات، فيتركون له كامل الحليب، فيرضع ضرعي أمه دون مشاركة ، وكلما كبر قليلا نقصت هذه الكمية، فقد لا يترك له إلا ضرع واحد ويحلب الآخر، أو تحلب جميع الضروع ولا يبقى له إلا ما تدره له الأم خلاف ذلك ، فإذا ما تمت هذه العملية المهمة، وكل اخذ نصيبه من هذا الحليب، فرزت الصغار التي لن تصاحب أمهاتها، فالصغيرة جدا (السروة) تحبس داخل الزريبة، في أماكن قد أعدت لذلك تسمى (جدر)، وهو بناء صغير مصمت له فتحة صغيرة في أعلاه، تنزل منها هذه الصغار ثم يغلق عليها بغطاء محكم من حجر أو خشب ، بما يضمن عدم تعرضها للأذى أو الافتراس أو الضياع ،وأما الكبيرة منها قليلا (الجدي) الذي أصبح يأكل شيئا من الحشائش مع بعض لبن أمه، ولكنه لا يقوى على المسير مع بقية الغنم إلى المرعى ، فهذا يسرح في مكان مجاور للبيت لفترة محدودة ثم يعاد إلى زريبته ، وقد تجعل في حبل يحد من حركتها وانطلاقها، وعادة تربط مع بعضها مجموعات في حبل واحد يسمى (الربقة) ، فإذا ما انتهت كل هذه العمليات والغنم في أماكنها متهيئة للانطلاق ، فعندها يقوم الراعي بإصدار الإيعاز لها بالتحرك ، مرددا الكلمات التي الفتها وتعودت عليها ، فيردد (أوعي أوعي هيه هيه هوه) ملوحا بعصاه وقد يضرب بها في الأرض محدثا أصواتا ولجبة ، فتنطلق الغنم أمامه جماعات متجهة إلى المرعى الذي حدده ووجهها إليه ، فيسوقها وهو يتبعها ويستحث المتباطئ منها وينهر المتخلف ، فهي تتقدم أمامه منطلقة متشوقة للوصول إلى مبتغاها، فإذا ما وصل إلى مقصده الذي رغبه واختاره لمعرفته بجودة المرعى فيه، أو حسب ظروف الوقت والزمان، فيخفف حينها من لجبته ويهدئ الوضع ويقف في مكانه أو يجلس ، وقد يبدأ بالغناء بصوت جميل مطمئن بما يسمى (التواحي أو الطرق)، فهو دليل تفهم الغنم عند سماعه أن ذلك هو المكان والغاية، فتتفرق عندها هنا وهناك حول الراعي ، تباشر الأكل في راحة واطمئنان مما تجده من الحشائش والأشجار، وهو لا يدعها تغيب عن ناظريه ورقابته، فإذا ما أحس أنها هدأت واستقرت ومكبة على مواصلة أكلها وأطمأن انه لا يوجد ما يزعجها، وأن الأمور تسير على ما يرام، بحث له حينها عن ظل تحت شجرة قريبة أو حجر في مكان مشرف لا يحجبه عن غنمه شيء ، فيسترخى وهو يلاحظ ويراقب ، فلا بد أن تبقى غنمه تحت مراقبته باستمرار فلا يغفل عنها طرفة عين ، حريص أن لا تتعرض لأي خطر أو يزعجها شيء يتسبب في خوفها فتشرد، أو يبتعد بعضها فيتعب في إعادتها وفي استعادة هدوئها، أو في فقد شيء منها.
يستمر على تلك الحال وذلك الوضع، إلى أن تشتد الحرارة وترتفع الشمس في كبد السماء قريبا من الظهيرة، وتكون قد امتلأت بطونها وشبعت واكتفت، ويحس أنها بحاجة إلى شرب الماء، وعند ذلك يرفع صوته مناديا لها بصوت مميز (أوهيه أوهيه أو عآي أو عآي هوي هوي )، فترفع مع هذا الصوت رؤوسها وتتجمع متسربلة تجاه الماء، وإلى المنهل المعتاد القريب من هذا المكان، أما في الوادي أو إلى غدير أو بير في الجوار، فتستقي وتتعلل من الماء حتى تكتفي، فإذا ما اكتفت منه وارتوت نهائيا، ردد على مسامعها بعض العبارات كقوله ( أوقيلاه أوقيل أوقيلاه) وهذا معناه القيلولة كما تفهم الغنم، فكل منها تبحث عن مكان ظليل في الجوار إما تحت شجرة أو عند صخرة ، فتتمدد حول بعضها وتنام، وتجتر ما قد أكلته من الحشائش ، وحينها يقوم الراعي بالبحث له كذلك عن مكان ظليل، ثم يخرج ما جلبه معه من غذاء ليتغدى، وعادة يكون خبزا ناشفا وينادي وهو في مكانه على غنمته الأثيرة باسمها ، وتكون في الغالب شاة قد انتقاها لوفرة لبنها إما لان ولدها قد كبر واستغنى عنها، أو انه مات وما زالت تدر حليبا ، فهو يترك حلبها في الصباح لهذه الغاية، وتجده عندما يناديها تأتي مقبلة عليه، ويمد لها يده بشيء بسيط من الخبز الذي يأكل منه، فتدنو منه مستبشرة ليتناول ضرعها، وقد يشخب منه مباشرة في فمه ، أو إذا كان لديه إناء حلب فيه، ولا تفارقه حتى يكتفي منها، فإذا اكتفى من لبنها ربت على ظهرها بيده فانصرفت راجعة إلى باقي القطيع ، وعندها يسود الهدؤ المكان فالكل يخلد إلى الراحة والقيلولة ، فلا تسمع إلا الأنفاس والاجترار هنا وهناك ، فإذا ما مالت الشمس وخفت حدتها قبيل صلاة العصر، هب الراعي واقفا، ويرفع صوته وهو يردد عبارات (أويحي أويحي هه هه هي) ،متجها إلى مكان آخر قد حدده واختاره لترعى فيه بقية النهار ، فتتسربل خلفه متجهة إلى حيث وجهها، وعادة يكون المكان في هذه الفترة باتجاه البيت، لأنه في الصباح ينطلق إلى أقصى المراعي، وفي المساء يدنو قليلا قليلا من البيت، فإذا ما وصل إلى المكان المناسب ،توقف عن السير فاكبت غنمه على الأكل بما يسمى (التعشي)، واختار هو مكانا لجلوسه والإشراف عليها منه، فتنتشر حوله مطمئنة لا يعكر صفوها شيء، وهو يمضي وقته إما يتسلى بالغناء ليسمعها صوته ، ويكرر بعض العبارات من حين إلى آخر، مما يشعرها بالاطمئنان، وأفضل هذه العبارات قوله (آوحي آوحي) يرددها بصوت هادى رتيب وهو جالس في مكانه، أو يمشي في محيطها، فتنغمس في التهام الحشائش بهدوء وسكينة، إلى أن تدنو الشمس من المغيب، فيتقدم أمام غنمه متجها إلى البيت مرددا عبارات (آوحي آوحي) بنيرة أكثر حدة من السابقة، فتتبعه في هدوء في طريق العودة للبيت، فإذا ما رغب منها السرعة في الرواح ، إما لوجود خطر يخشى عليها منه، بسبب توقع نزول المطر، أو وجود سيل أمامهم قد يحول دون الوصول للبيت، فحينها يرفع صوته مناديا بصوت مميز سريع يوحي لها بالعجلة مثل (أوحي هو هو هيه) وينفط عليها بصوت عال، مما يعني للغنم الخطر المحدق، وأنه يجب منها السرعة والحركة ، فتنطلق أمامه راكضة متجهة إلى البيت .
ما إن تدنو الأغنام من البيت، إلا وتتجه إلى الساحة المجاورة ، التي انطلقت منها في الصباح (أمعذرة أو مسند)، فعندما تصلها عادة تتوزع من ذاتها إلى مجموعات متآلفة، فكل شاة كبيرة يلتّم حولها كل فروعها ، فمن النادر أن يختلط معها غيرها ، و هذا يسهل على الراعي تفقدها، فيعرف المتخلفة والمفقودة من خلال استعراض المجموعات ، فإذا ما لاحظ وجود شيء من ذلك ، نادى على المفقودة باسمها ، فإذا كانت في الجوار ضمن مجموعة أخرى، بادرت برفع صوتها (مهذّية) حالما تسمع اسمها، وتأتي في الغالب راكضة لتنضم إلى مجموعتها الأصلية، وأما إذا لم تستجب بعد تكرار المناداة عليها ، أيقن حينها أنه أصابها مكروه أو عارض أخرها عن بقية القطيع، وقد يعود مسرعا في الحال إلى المرعى مكررا المناداة عليها باسمها ، فقد تكون تأخرت وانشغلت حتى سبقتها أخواتها، ثم تاهت عن الطريق إلى البيت، أو أنها أصيبت بما أعاقها عن السير، أو إنها تعرضت للسرقة أو الافتراس ، فهذه عادة المخاطر التي يخشى منها الراعي على غنمه ، فأعدائه والمخاطر التي يخشى منها ، هي السباع بأنواعها (الذئب والضبع والوشق والفهد والمخنّقة) ، أو السرقة من بعض اللصوص، أو سقوطها من مكان مرتفع فتموت أو تنكسر، فتكون في هذه الحالة صيد سهل للوحوش ، أو أن تتعرض للدغ من احد الثعابين.
فإذا تفقدها وضمن عودتها كاملة سليمة ،أطلق عليها صغارها التي حبست عنها من الصباح، فتنطلق هذه الصغار إلى أمهاتها فترضع حتى تشبع، ثم يأتي أصحاب البيت فيحلبونها بنفس ترتيب الصباح ، فتجد الحركة دائبة في هذه المكان، وقد تستمر إلى وقت العشاء، وبعدها تدخل الأغنام إلى حظائرها (الزريبة) وتغلق عليها بإحكام الأبواب ( أمقارعة ) ، وهاهو قد انتهى عمل يوم عادي في حياة هذا الراعي، يتكرر بحذافيره لا يكاد يختلف في بقية الأيام ، وهو عمل روتيني لا يتغير ولا يتبدل ، يقوم به وقد ألفه على مدار أيام العام ،وقد يتضاعف العمل في بعض الفترات إما عند التلقيح، أو عند الولادات ، أو عند عملية الخصاء والوجاء، وهذه العملية يقوم بها للتيوس التي يربيها من اجل لحمها، بعد أن ينتقي منها الأفضل ليكون فحل تلقيح، لتميزه بصفات يرغبها في نسله.
وهناك صاحب ملازم للراعي لا يستغني عنه أبدا، فهو يعينه في عمله وفي متابعة غنمه وفي حراستها، وفي حراسة منزله ، وبالذات إذا كان يعيش في منطقة قفرة معزولة عن الناس، فهو ضرورة لا غنى عنها، وهذا الصاحب المهم هو الكلب، قال تعالى (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)، وله مواصفات معينة وتربية خاصة يصل بها إلى درجة كبيرة من النفع والاعتماد عليه، فيتم اختياره في العادة من نوعية خاصة وفصيلة معينة ، تتميز بالحجم والقوة والشجاعة والشراسة والذكاء، وفي مناطقنا يختارونه من نوعية تسمى (الطميم)، وأسمها يدل على خصائصها، فالعظمة والقوة والشراسة صفة أصيلة فيها، فيقال حيوان طميم ورجل طميم، أي كبير عظيم شجاع قوي، وكلها أو معظمها تجدها في هذه الفصيلة من الكلاب.
إذا وجد هذا النوع من هذه الفصيلة، انتقاه وما زال جروا يرضع من أمه، فإذا ما كانت هذه الكلبة ملك لهم أو لأحد معارفهم فالأمر سهل ، وإما إذا كانت غير ذلك فعندها يتحين فرصة تكون الأم بعيدة عن جرائها فيختطف ما يريد من هذه الجراء، فيأخذه إلى بيته ويربيه ، بعزله عن مخالطة البشر من غير أهل بيته المقربين، فلا يعرف من العالم حوله إلا هولاء وحيواناتهم الخاصة، وأول ما يباشره معه بأن يقطع أطراف أذنيه ورأس ذنبه ، والغاية من ذلك لكي يبقي الكلب دوما متنبها يقظا لكل شيء في محيطه ، فالكلب عادة يتميز بحاسة الشم القوية، والسمع المرهف، ولكن إذا ما نام هطلت أذناه وأطبقت على فتحتي الأذن فسدت مجرى السمع لديه، فلا يسمع شيئا حتى يرفعهما، وهذا يعزله إن نام عن محيطه وما يجري من حوله، وفي قصهما إزالة لهذه الأداة التي تحد من قدراته وبعض خواصه ، وأما الذنب فانه كذلك عند نومه يعكف رأس ذنبه على مقدمة انفه، فيعطل بذلك أو يقلل من حاسة الشم لديه، فإذا فقد هاتين السدادتين بقي متيقظا حذرا لا يفوته شيء مما يدور في محيطه.
ويحسن تدريبه والتعامل معه بحزم وصرامة، فيكون من ناحية أليفا متعلقا بأصحابه لأنهم يكرمونه ويغذونه، وفي المقابل يكون شرسا مقاتلا عنيفا مع الغرباء من البشر والحيوانات، ويكون قد أطلق عليه اسما خاصا به يتعود عليه ، ثم يعلمه كلمات التخاطب الضرورية، من الأوامر والزواجر ليتعود عليها ويستجيب لها تماما، وينفذها بحذافيرها دون تلكأ، وتكون في كلمات موجزة مختصرة واضحة ، فإذا أراد أن يدعوه قال له (تعال) وأما الطرد فيقول له (قس) وأما تحريشه أو إزهائه ليتنبه لأمر ما أو ليهجم على شيء مخوف، فيقول له (أر أر) ، فإذا اكتملت تربيته بالطريقة الصحيحة وأكتمل نموه، يكون حارسا أمينا يعتمد عليه ، يعرف حمى وحدود بيته وممتلكات أصحابه ، فلا يدع غريبا يقترب منها أو يدخلها إلا بإذن أهلها ، حتى أنه إذا تفاجأ بشخص غريب قد دخل البيت ولم يكن منتبه له حين دخوله، فإنه يهاجمه في الحال إن وجده وحيدا، وإن رآه مع أهل البيت فأنه يترصد له حتى يجد عليه غرة فيهاجمه ، إن لم يتنبه له أهل البيت فينهرونه عنه، فحينها يعلم انه إنما دخل برضاهم وأذنهم، والكلب في العادة يكون ملازما للبيت لا يغادره أبدا، إلا في حالة أن يطلب منه أهل البيت ذلك، ويكون عندما يصحبه الراعي معه إلى المرعى، ليعينه في متابعة الغنم وتفقدها وفي تتبع الهارب منها وحمايتها من أي دخيل.
ما ذكرناه أعلاه هو ما يتعلق بحياة أهل السهول والمناطق القفرة ممن يمارسون حرفة الرعي، أما في أعالي الجبال وفي المناطق الزراعية منها، فبما أن بيئتهم وحياتهم تختلف بالكلية عن حياة الرعاة، فمناطقهم التي تتميز بالمدرجات الزراعية الخصبة، فقد أتخذ أهلها الزراعة حرفة أساسية لهم من عصور موغلة في القدم، والمزارع كما هو معروف لا يستغني أبدا عن الحيوانات، سواء في حياته العملية أو المعيشية ، فالحيوان بالنسبة للمزارع هو رفيق دربه ومعينه على عمله، يقوم على الاستعانة به في كثير من أعماله الزراعية، فيستخدمه في حرث أرضه وفي تسميدها، و يستعين به في حمل أمتعته وفي حراسة بيته ومزرعته، وهو ضرورة له في غذائه وفي حياته الخاصة، يستفيد من ألبانها وأشعارها وجلودها، فلأهميتها في حياته وفي عمله فلا يخلو بيت مزارع من وجود كثير من هذه الحيوانات الأليفة ، ومنها البقر والغنم والحمير والدواجن والكلاب والقطط وخلافها، لذلك فلا بد أن يكون ملما بكيفية التعامل معها، ويعرف كثيرا من أسرارها ، ويحسن التعامل معها وكيفية تسييرها والاستفادة منها إلى أقصى درجات الاستفادة والنفع.
وأكثر هذه الحيوانات التي تكون مصاحبة للمزارع، حيث لا يستغني عنها في حياته وعمله وأهمها (البقر)، فهي تعينه على عمله وتسهل له كثير من أموره، فالثور يتم به حرث الأرض التي هي محور حياته وأساس عمله، لذلك لا بد انه قد أحسن ترويضه والتعامل والتخاطب معه، فكيف إذا يصل بهذا الثور إلى هذه الدرجة العالية من التناسق ، لتحصل له به كامل الاستفادة والنفع ، إن الأمر لا شك يتطلب كثيرا من الجهد والصبر والوقت، ليصل به ومعه إلى هذه الدرجة من الانسجام التام ، فهو يذلله ويدربه ويحسن التخاطب معه، والتذليل عبارة عظيمة تدل على كمال الخضوع والتعليم والسخرة، وكثير من العبارات المترادفة التي تصب في هذا المعنى أو القريب منه، فكيف إذا يذلل المزارع هذا الثور.
المزارع كما ذكرنا لا يستغني عن ثور الحرث، فهو شيء مهم وأساسي في حياته، لذلك يسعى جاهدا إلى الحصول على ثور مدرب أو أكثر من ثور حسب كبر مزرعته ونشاطه ، ولهذا الثور مواصفات يحرص على توفرها فيه ، تبدأ من مرحلة اختياره له وما زال صغيرا فتيا، فمن شكله وحجمه وقوته، ومن امارات النجابة والذكاء عليه، فإذا ما ولدت إحدى الأبقار لديه عجلا ، ولمح فيه بعين الخبير بعض من هذه الصفات والمواصفات اصطفاه بكثير من الاهتمام، وأولاه كامل اهتمامه في تغذيتة ومداعبته والتآلف معه، وعلى إسماعه بعض عبارات التخاطب التي يعوده عليها لمستقبل أيامه، ويبني معه كثير من أسباب الألفة حتى يتعود عليه ويتجاوب معه، فإذا ما بلغ السن المناسبة للتدريب على الحرث ، وتكون عادة إذا بلغ بداية سن النضج (تبيعا) ، وهي ما يسبق مرحلة الاكتمال التام، فعندها يبدأ تذليله على الحرث ، ويكون فيها الإعداد والتدريب الجاد على جر المحراث بطريقة سليمة، وهنا تبرز مواصفات اختيار الثور المناسب، بحيث يكون قويا صبورا مطيعا فطنا ، ثم مواصفات مدربه بحيث يكون خبيرا فاهما متمهلا صبورا، لأجل أن يصلا معا إلى درجة عالية من الجاهزية والإتقان، فالأمر يتطلب التدرج البطيء مع الثور حتى يصل به إلى هذه الدرجة المرجوة، ولا بد أن يكون حازما في تدريبه جادا، فلا يتيح له فرصة التمرد والعناد وعدم الطاعة، لأنه إن فرط لن يستطيع بعدها استصلاحه مهما فعل ، فالبدايات مهمة وخطيرة.
إن التدرج في إعداد هذا الثور مهمة، ولابد أن يمر على مراحل عدة، لكي يصل معه إلى الكمال والإتقان، والتجاوب التام في تطبيق كل ما يرغبه إليه من عمل في دقة متناهية ، فالحرث أنواع متعددة ومتفاوتة، ومنها ما يتطلب فقط قلب التربة وهذه لا يلزمها كثير عناية ودقة، ولكن تلزمه الدقة في الحرث عند البذر (الجرف) ، فعندها لا بد أن يكون الثور على درجة عاليه من التدريب والمهارة ، لأنه يتطلب منه أن يسير في خطوط مستقيمة غير متداخلة، والمرحلة أكثر دقة هي الحرث على الزرع بعد ما يرتفع قليلا (الشتي)، لأنه يتطلب أن يسير الثور بالمحراث بين شتلات الزرع الحديثة ، في خطوط مستقيمة وضيقة، فإذا ما شطح يمينا أو يسارا الحق ضررا كبيرا بهذا الزرع، وهذا فيه خسارة كبيرة على المزارع.
لذلك نستطيع أن ندرك أهمية تجهيز هذا الثور وإعداده ، ويبدأ التذليل بتعويده على أدوات الحرث والته حتى يألفها ولا ينفر منها، وأهمها الرعوة التي توضع بصفة دائمة على رقبته فوق (الدربة)، وهي أهم قطعة في أدوات الحرث، بها تربط بقية القطع لأنها هي مصدر الاستفادة من طاقة الثور في الحرث، فمن خلالها تنتقل القوة المحركة إلى آلة المحراث، فلا بد أن يتعود عليها ويألفها وأن تبقى بصفة دائمة على رقبته ، وهي في البداية لاشك تألمه اشد الألم ويحاول التخلص منها بشتى السبل، ولكن بالتدريب والتدرج تصبح أمرا عاديا بالنسبة له، لذلك يجب في البداية بين فترة وأخرى إزالتها وتدليك مكانها إلى أن يصلب عنقه وتتقوى عضلاته في هذه المنطقة، والحرص على أن لا تجرحه وما زال في البداية، حتى لا يتأثر ويتضايق وينفر منها بعد ذلك ، لذلك قد يضطر إلى إخضاعه بالقوة حتى يتعود ويستسلم ، ومن أساليبهم المتبعة أن يوثقوه ببعض الحبال التي تعينهم عليه، فقد يجعلون في رقبته حبلا تشد به (الرعوة) يسمى (المخنق)، فإذا ما تضايق من (الرعوة) وسعى إلى التخلص منها ورميها من فوق رقبته (يجمح) لا يستطيع، لأنها مشدودة بقوة من رقبته بهذا (المخنق)، فيصعب عليه التخلص منها بسهولة، وينتقل به إلى المرحلة التالية ، بحيث يربط بها ثقلا مناسبا يجره في البدء ويزيد ثقله قليلا قليلا، وعادة ما يجعلون هذا الثقل حجرا مدورا (الجمير)، ليذهب به ويجيء به في خطوط مستقيمة، وعلى فترات يتخللها شيء من الاستراحات البسيطة، والتكرار على مسامعه الأوامر اللفظية المصاحبة، من أمره بالتقدم أو التوقف والدوران وغيرها، حتى يألفها ويتجاوب معها، ويتعود على صوت الحارث ويسمع توجيهاته، وهي عبارات وكلمات محدودة مختصرة، تحتوي على أوامر التقدم والوقوف والانتظار والالتفاف يمينا وشمالا، أو الرجوع خطوات للخلف أو الدوران ، أو الصعود إلى مكان أعلى أو النزول إلى مكان أسفل وأمثالها، في أوامر بسيطة محددة حتى يألفها ويمتثل لها، مع وجوب ثبات استخدامها وتكرارها دون تغيير، ويلزم مصاحبة ذلك في البداية بعض الحركات والتوجيهات الفعلية الخفيفة بالعصا ونحوها، والاستعانة بحبلين يربطهما في فم الثور (الملجع)، يكون احدهما في جهة اليمين والأخر في اليسار، ليوجه بهما إما يمينا أو يسارا، أو إرخائهما ليسير إلى الأمام، أو هزهما بطريقة معينة ليقفز إلى مكان معترض أمامه، أو لينزل إلى مكان أدنى منه، أو ليدور حول نفسه ليعود في الاتجاه المعاكس، ومع تكرار هذه العبارات مصحوبة بما يصدر من حركات، تجعلها في النهاية تترسخ لدى الثور، ومع الوقت يستجيب لسماعها مجردة دون الوسيلة المصاحبة من العصا أو الملجع أو المخنق .
وكما ذكرنا لابد من التدرج في كل مراحله ، فتزاد بالتدرج فترات العمل في الطول، وكذلك زيادة أثقال الأوزان التي يجرها ليصل به إلى أقصى قوة ممكنة، ويتدرج في إضافة أداوت الحرث إلى أن تكتمل جميعها، حتى يتعود عليها الثور ويألفها، ويتدرب على السير بها في خط مستقيم، وعلى الاستجابة للأوامر التي تلقى عليه، وهذا من حسن التدريب والتعامل الحسن مع هذا الحيوان .
وبالطبع كما أسلفنا في الحديث عن رعاية الغنم والتعامل معها ، ثم مع التعامل مع الثور وتدريبه على الحرث ، واللغة المستخدمة مع كل منها ، نستعرض هنا بعض الكلمات واللغة المستخدمة مع هذه الحيوانات التي تتعايش مع الإنسان في هذه البيئة ، ولنبدأ مع الثور الذي تكلمنا فيما مضى عن تذليله ليكون عاملا مساعدا للمزارع في استصلاح أرضه، فلكي يخاطبه ليسير إلى الأمام يقول له (هش أو وح) وللوقوف (قوم) وللسير في خط مستقيم (سواء) ولتجنب الاصطدام بعائق يعترضه في طريق سيره المستقيم (اشطر) فيروغ يمينا أو شمالا ثم يواصل سيره إلى الأمام، ولكي ينحرف قليلا إلى داخل (الحيفة إلى الحليط)يقول له (داخل) والى الخارج جهة (الزبير) (خارج) وأما الدوران الكامل ليعود في خط معاكس لكونه وصل آخر الحيازة (العاس) يقول له (وعهلم) ، ولطلبه النزول من درج أو من مكان مرتفع قليلا إلى اخفض منه (جب) ، وأما للصعود في درج أو إلى مكان أعلى فيقول له (اطلع) ، ولكي يرفع إحدى رجليه قليلا لأنها واقفة فوق حبل ارتخى من حبال (الحزبة ) أو لغير ذلك يقول (ارفع أو شل)، وهذه مجمل العبارات والكلمات البسيطة التي إذا وصل إلى درجة عالية من التدريب أصبح يتجاوب معها بسهولة وينفذها دون إبطاء، فيكون بعدها هذا الثور ذو قيمة عالية ، فكل ما كانت درجة إتقانه وقوته وصبره وتحمله للعمل الشاق الطويل ارتفعت قيمته، والمزارع لا يستطيع العمل إن لم يكن لديه ثور بهذه المواصفات، فهو إن ملكه ملك ثروة كبيرة لا تقدر بثمن .
وأما البقرة أم الثور والثروة التي لا يستغنى عنها، حتى أنه لا يخلو بيت مزارع من وجود بقرة أو أكثر يربيها ويعتني بها، فيشرب من ألبانها ويتدم في دهنها وسمنها، ويسمد مزرعته بما يتجمع من روثها وبقايا أعلافها، وهي التي بالطبع تلد له الثور الذي يساعده في حرث وزراعة أرضه، وفي نفس الوقت يعلفها من مزرعته، فهي مفيدة وأساسية في ممتلكاته ، ولا تكلفه كثيرا من النفقات، والبقر المربى في هذه المناطق الجبلية، تكون محدودة الحركة حبيسة البيوت في الغالب، لصعوبة تضاريس أرضها وقلة المساحة فيها، ولأجل ذلك فقد تعودت على التهجين والبقاء في البيت (مخدورة)، فحركاته محدودة قاصرة على خروجها إلى العريش الملاصق للبيت، لتنال قسطا من الشمس، وإعادتها في المساء إلى داخل البيت، لذلك فكلمات التخاطب بينها وبين ربة البيت محدودة جدا، تتلخص في الإيعاز لها بالحركات البسيطة أما للدخول أو المشي أو الصعود لدرج صغير أو نزولها منه، أو الدوران في المذود لتنظيفه من مخلفات العلف أو البول، أو ليسهل عليها حلبها، فهي عبارات بسيطة محدودة، فأمرها بالتحرك للأمام تقول لها (شعه أو هيشي)، وللنهوض من مرقدها ( قومي) ، وللالتفاف في مكانها إما لحلبها أو لتنظيف المكان تحتها تقول لها (دوري)، وأما النزول أو الصعود لدرج أو خلافه، فللطلوع تقول (اطلعي) وللنزول (جبي).
والى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله.
ملحوظة : الراوي في بداية الحلقة هو الأخ الفاضل احمد بن يزيد الحكمي أبو عبد الله حفظه الله ووفقه.
محبكم/ عبد الله بن علي قاسم الفيفي ــ ابو جمال

