Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/faifaonl/public_html/wp-includes/formatting.php on line 4731
مشائخ .. واعلام .. ذكريات

ذكريات .. ومعلومات (12)

الختان

قمت في صباح ذلك اليوم مبكرا كالعادة، فتلك عادة سار عليها كل المجتمع، فهو مجتمع زراعي كادح، ينطلق فيه الناس من قبل شروق الشمس إلى أعمالهم ومزارعهم، فالمزارع يستمر في عمل دائب لا ينتهي طول العام، يبدأ عمله من أول النهار إلى آخره، بل تجد أهل البيت جميعهم كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم ينطلقون إلى أعمالهم مبكرين، وكل يؤدي ما أوكل إليه من واجبات ، فلا يخلو شخص في الأسرة من القيام بشيء من العمل مهما صغر ، وكل يشارك بقدر طاقته وقدرته.

   كان ذلك اليوم مشرقا، فهو احد أيام الصيف الجميلة، على قمة هذه الجبال العالية، جبل اخضر يتميز صيفه بالجو اللطيف المنعش، وسكانه في هذه السنة مستبشرين بما حصلوه من إنتاج ومحاصيل وفيرة، وعادة بعد هذه المواسم الطيبة وفي مثل هذه الأوقات من العام، تقام  كثير من مناسباتهم وأفراحهم، لأنها فترة يقل فيها كثير من الأعمال الروتينية، فيكونون قد انهوا عاما طويلا من الزرع والقلع والحصد، فإذا ما كان مردود ذلك العمل جيدا ووفيرا كما هو عليه الحال هذا العام زادت فرحتهم وسعادتهم، فهي فترة مستقطعة من العام قبل أن يتهيئوا لعام جديد مقبل يستأنفوا فيه أعمالهم كالعادة، فحياة المزارع حياة تدور في حلقة مستديرة ومتكررة لا تكاد تنتهي، إلا ما كان منها في مثل هذه الأوقات القصيرة بين موسم وآخر، فيلتقط فيها المزارع أنفاسه ليواصل المسير مرة أخرى، لذلك تكثر فيه عادة مناسباتهم، وهي مناسبات قليلة محدودة، وأكثرها هو ما يحتفلون فيه بختان بعض الشباب ، فيكون فرصة عظيمة لهم للفرح وإظهار الشجاعة والكرم، فيتخذونها مناسبة للمظاهر والتباهي، وإبراز بعض الاستعراضات أمام الحضور، بحمل الأسلحة واللباس الجميل ، والتنافس بين الشعراء، وفيها كثير من البذل والكرم والعطاء، وفي نفس الوقت فرصة للمختون ليقدم نفسه للمجتمع، في صورة باهية من الشجاعة والصبر والتحمل والجلد .

   لقد قمت في صباح ذلك اليوم نشيطا مستبشرا، فهذه بداية العطلة الدراسية الصيفية، وكنا ننطلق نحن الصغار لنلعب ونمرح ونشبع حاجاتنا المكبوتة فيها، بعد عام دراسي طويل وجاد، ولكن لفت نظرنا في هذا الصباح ، صدور أصوات أعيرة نارية تأتي من جهة بقعة (البثنة) المجاورة ، في الجهة الشمالية من سوق النفيعة مكان وجودنا، ولما تعالت هذه الأصوات وكثرت قررنا نحن الصغار أن نستطلع عنها ونعرف مصدرها وما هي المناسبة، فلا بد أن هناك حدثا عظيما ومناسبة كبيرة، ولكن لم نكد نبتعد قليلا حتى وجدنا جلية الأمر من احد العابرين، حيث اخبرنا أنه سيكون في (البثنة) يوم شاهر، فلديهم ختان لمجموعة كبيرة من الشباب ، وبالطبع (البثنة) قرية كبيرة في وسط البقعة المجاورة، وهذه لا شك فرصة لنا لا تفوت للفرجة والمشاركة ، فهل يا ترى سيسمح لنا أهلنا بذلك أم لا يسمحون؟، بقينا حائرين مترددين قليلا ، وكل يفكر ويخطط على ما يبدو، ثم شجع بعضنا بعضا، لأنه كان يتخلل هذه الحيرة والتفكير شيء من الحديث، وسرد شيء من الأخبار والتجارب السابقة لبعضنا في مثل هذه المناسبات، وأخيرا قررنا بالإجماع أن ننطلق لنشاهد ما يحدث، فالوقت كما نحس أضيق من أن نعود إلى بيوتنا لأخذ أذنهم،  ثم ما يدرينا لعلهم لا يسمحون لنا لو عدنا لطلب الأذن منهم، وعندها ستكون مخالفتهم صعبة ومتعذرة، إذا فالحل هو أن نذهب الآن، ونبحث عن العذر فيما بعد، وسيكون الأمر سهلا وميسورا وكما قيل ( لكل حادثة حديث).

      قرارنا لم يستغرق وقتا طويلا ، وتنفيذه حالا فهو لا ينتظر التأخير، وهكذا أعلنا قرارنا وتعازمنا على تنفيذه، بل وزاد من حماسنا انه قبل التنفيذ سمعنا أصوات الطلقات النارية تقترب منا كثيرا، بل نكاد نسمع صوت الناس يطل علينا بغنائهم من حافة الضلع المقابل، يأتي من الجهة التي فيها بيت (مدق) المشرف على بقعتنا من الشمال، ويظهر أنهم قد اختاروا هذا المكان الواسع (الثاهر) الواقع خلف هذا البيت، وهو مكان متسع ومناسب لمثل هذه الاحتفالات، وبالنسبة لنا فقد سهل علينا الأمر كثيرا، وتبدى لنا عذر واضح أمام أهلنا، لأننا في هذه الحالة لم نبتعد عن حينا، فالمناسبة الآن في أطراف حي النفيعة ، ولا بد من أن نحضرها ونشارك للفرجة فيها، إذا فعذرنا واضح ومقبول، أو هكذا بررنا لا نفسنا.

    انطلقنا نتسابق للوصول إلى هذا المكان ، فما إن وصلنا إلا وقد امتلأ بكثير من الناس، والأهازيج من هولاء المجتمعين ترتفع بصوت جميل، والطلقات النارية تزمجر هنا وهناك، فدخلنا بين الناس وتسللنا داخل الجموع، ولكننا لم نستطع أن نرى شيئا، وتفرق جمعنا فلم يعد بعضنا يرى البعض من كثرة الزحام، فتلفت يمينا وشمالا ابحث عن أصحابي، فلم أجد منهم أحد، وفي هذه الأثناء لاحظت كثيرا من الناس تقف فوق المدرجات المشرفة على هذا المكان، فأسرعت في الحال دون تردد لاتخاذ مكاني بين هولاء المتفرجين ، ووجدت لي مكانا مناسبا، يطل على كامل الميدان وترى كل جوانبه وزواياه، وتشاهد منظرا رهيبا وجميلا، فالميدان يموج بجموع كثيفة من الناس، وتستطيع أن ترى كل شاردة وواردة من هنا، بقيت متسمرا في مكاني لعدة ساعات، مستمتعا لا أتحرك أو أتزحزح منه، منبهرا بكل المشاهد المتعاقبة أمامي، والناس في الميدان صفوف متراصة ينشدون الأناشيد الجميلة، وهناك من يركض في ذهاب وإياب أمام هذه الصفوف في شكل استعراضي مبهر جميل، وفي كل مرة يأخذ مجموعة منهم المحتفى بهم (المختنة)، ليركضون بهم إلى طرف الميدان المقابل ، ليطلقون من هناك نيران بنادقهم في الهواء ثم يعودون جميعا إلى الصف، ويتناولهم آخرون ويعيدون نفس المشهد.

  عرفت انه هولاء يسمون (المعكّشة)، ولعل العكّاش يعني الركض الاستعراضي الخفيف، وهو كذلك حيث تراهم يركضون مجموعة دون العشرة، حيث يخرجون من خلال الصف المرتص في طرف الميدان الذي يردد الأهازيج، فيخرج هولاء وكل منهم قد حمل بندقيته في يده جاهزة للإطلاق، فيركضون وفي معيتهم (المدرمة) أو بعضا منهم (الدرم الشاب الجاهز للاختتان)، وهم كثيرون في هذه المناسبة ، فقد يختص (المعكشة) ببعضا منهم، اما لخصوصية العلاقة بهم أو لأنهم ما زالوا نشيطين يستطيعون الركض، وينطلقون بهم إلى أقصى الميدان ليقفوا في اتجاه الصف في خط مستقيم، ويجعلون (المدرمة) من أمامهم، ثم يبدؤون في أطلاق الأعيرة النارية من فوق رؤوسهم في الهواء، ويتتالى ذلك بصورة فنية متتابعة، تعطي صوتا موسيقيا منتظما ورهيبا، فإذا أكمل الجميع أطلاق ما يرغبون من الرصاص، حيث في العادة لا يتحركون حتى يفرغ الكل من أطلاق رصاصه، وعندها يعودون راكضين كما فعلوا في الذهاب إلى بقية الصف، ومن هنا تنطلق مجموعة أخرى ليكرروا نفس المشهد، كان عدد (المدرمة) كبير في هذا (الهود) بلغوا ستة شباب، ولابد أنهم استعدوا لهذا اليوم على أكمل وجه، ولبسوا فيه أفضل ما لديهم من الثياب والسلاح، ويكون اللباس في العادة إزارا ابيض مطرز الحواف (مصنفا)، ويحتزم عليه بجنبية طويلة ، ويلبس من فوقه (كوتا)، ومن فوق (الكوت) لحافا ملونا قد لفه بشكل جميل، فجعله من خلف ظهره ويتداخل فوق صدره لتنتهي أطرافه فوق كتفيه إلى الخلف، وأدار على رأسه شماغا أو شالا مزركشا، معصوبا بقوة فوق رأسه بطريقة فنية، تبقيه ثابتا لا يسقط عند ركضه وحركته المستمرة، وقد يزين رأسه ببعض الرياحين والكاذي بين ثنايا الشماغ، ويمسك بيده اليمنى جنبيته، يرفعها إلى الأعلى ويهزها بطريقة منتظمة وثابتة يمينا وشمالا ، وقد لف على كفه الأيسر قطعة من القماش، ترمز إلى الترس الذي يحمله المقاتل في ساحة المعركة، يتقي به ضربات الخصم الموجهة إليه.

     في هذا المشهد العظيم والاحتفال الكبير يقف الحاضرون صفوفا متراصة، يرددون الأناشيد والأهازيج الحماسية ، ويتبارى الشعراء بين فترة وأخرى في تلقينهم بيت آخر من الشعر، والكل يردده بصوت ملحن موزون، فينطلق بصوت الجموع الهائلة حلوا يأخذ بمجامع القلوب، تتراقص به القلوب طربا وحماسا، وهذه الأشعار في الغالب تدور حول الثناء على أهل المناسبة، والمدح لهولاء الشباب الجاهزون للاختتان في هذا اليوم، ويعددون مفاخر اهلهم وقبائلهم وانهم كذلك فاعلون، فيرفعون من معنوياتهم ويذكرونهم بالشجاعة والبطولات، ويحثونهم على المحافظة على الصبر والثبات ، فمعظم هذه الاشعار تدور حول هذه المعاني ، وهي لاشك فرصة وتنافس شديد بين الشعراء في مثل هذه المناسبات الكبيرة، فكل منهم يريد أن يكون أكثر جودة وأفضل معنى، لأن الناس سيتناقلون ما قالوه اما اعجابا او قدحا.

    كان من ضمن ما علق في ذاكرتي من هذه الأشعار الكثيرة، في ذلك اليوم المشهود، مما حفظته حينها أو فيما بعد ، ما قاله أحدهم :

مدرمة يا أهل امقلوب ــ  ذ لحين قد قرب قضاء السنة ــ  سالف ومذهب نبينا

يومر على أمشفرة تنود ــ  مهل النمر على مرع ذا يتعنا ــ يصبر على موت ألهنا

الشمس دنت للغروب ــ  منها صليب الرأس ذا يركنا ــ  لو تجلس أمشفرة سنه

إلى آخر هذه الأبيات الحماسية ، والمعاني العظيمة، التي تحفز المقصودين بها من (المدرمة)، على الصبر والثبات، وعلى البطولة وقوة التحمل .

استمر الوضع على هذا المنوال إلى أن قارب الظهر، وعندها جاء المضيفون ليطلبوا من الناس التوجه للاستراحة المعدة وتناول طعام الغداء، فانطلق الجميع إلى هذه الأماكن المهيأة لأجل ذلك، وكانت عبارة عن صيوانات كبيرة وسرادق ضخمة، مصنوعة من القش وحزم القصب المثبتة على عيدان طويلة من الخشب، وهي عرش مثبتة على عيدان على شكل عتاب وأعمدة وسواري ، وغطيت  بالحزم الملفوفة من قصب الذرة (صبل)، تقي الناس وتظلهم من حرارة الشمس، وتوافد الناس إلى هذا المكان الذي مدت داخله الموائد العامرة بكل ما لذا وطاب،  يتصدرها كبار (الزلف) المليئة بمفتوت البر والذرة والدخن، قد غمرت وغطيت مخلوط السمن والعسل، فأكل الناس حتى شبعوا، والمباشرون يمرون بين الصفوف يرحبون، ويحثون الجلوس على مواصلة الأكل، ويتفقدون ما نقص فيها من السمن والعسل، وكلما نقص شيء منها قاموا بتعويضه في الحال، إلى أن اكتفى الجميع من الأكل وبادروا بالعودة الى مكان الاحتفال السابق، مواصلين أهازيجهم واحتفالهم، وأما المضيفون فكما شاهدنا ابتدروا إلى ذبح النحاير من البقر والخرفان، وسارعوا إلى نصب الأثافي الضخمة لتحمل القدور الكبيرة، سعيا إلى اعداد العشاء الرئيسي الذي سيكون بعد المغرب مباشرة.

استمر الاحتفال على نفس المنوال ، وعلى الكيفية التي كان عليها من الصباح ، وبعد صلاة العصر وقبل غروب الشمس بما يقارب الساعة أو الساعتين، التف الناس في حلقة كبيرة، وكثير منهم صعدوا إلى الأماكن المرتفعة المطلة على داخل الميدان، ليشاهدوا كامل المنظر وماذا سيتم فيه الآن من أحداث، لقد حانت ساعة الصفر والحسم، والكل يريد أن يرى بوضوح كيف سيكون حال المختونين، ومدى صبرهم وتحملهم وجلدهم، أزفت لحظة الختان وإعلان النتيجة النهائية لهذه المناسبة، و(المدرمة) متحفزون في وسط الحلقة، تهيؤوا واستعدوا للأمر كما ينبغي، والناس منصتة ترصد وتستمع لكل ما يدور، ومركزة نظرها في وجوه الشباب، لكي تعرف النتيجة التي سيؤول إليها حالهم، إما يرفعوا رؤوسهم ورؤوس أهلهم وعشيرتهم بالصبر والتجلد وقوة الاحتمال، وإما أن يكون عكس ذلك فتبقى وصمة عار إلى الأبد، والى ولد الولد كما يقال، هاهو الشخص الموكل بإجراء عملية الختان (الختّان) يتهيأ للدخول إلى وسط الحلقة باتجاه هولاء (المدرمة)، وقد وقفوا في صف واحد مستقيم باتجاه الجمهور، منتظرين إتمام العملية على خير وجه.

    ما إن يصل (الختّان) إلى أولهم في الصف ، إلا ويكون قد سبقه مجموعة من أهل الخبرة، لمساعدته في إتمام عمله سريعا، أما بالمسك والتهيئة لينتهي الأمر بيسر وسهولة ، ويبادر أول ما يصل هو مركز نظره في وجه (الدرم) الذي سيبدأ به، ويضرب على صدره رافعا صوته في خطابه له قائلا : أنظر كيف تفعل؟ أي استعد فإنني سأبدأ في ختانك، فاصبر وتجمل فهذا يومك الذي سيخلد اسمك، إما بالصبر أو خلافه، فخذ استعدادك التام،  فيبتدره الشاب مجيبا عليه بأعلى صوته ليسمعه كل من في الميدان، قائلا: اشتد وافرح (أي أنا مستعد لكل شيء فاعمل ما بدا لك، فقد وطنت نفسي لهذه اللحظة التي أنتظرها بفارغ الصبر، لأثبت للجميع أني محل الشجاعة والبطولة، وافرح بأنك ستجد أمامك رجلا صابرا شجاعا)، وبعضهم بل ينادي على الخاتن قبل أن يصل إليه بصوت جهوري يسمعه الجميع، قائلا: اختن يا ختان، فإن صبرت فهذا من أبوة وأخوال وأعمام، وإن فسلت (أي جبنت) فهذا مني وسبة في وجهي وحدي، ثم يبدأ هذا الدرم (بالانتداب) بحيث يرفع صوته معددا نسبه وأرومته قائلا: أني أنا فلان أبن فلان أبن فلان من آل فلان، وأخوالي من آل فلان وهم فلان وفلان، وأعمامي فلان وفلان، ويستمر يعدد ويثني على نفسه وأهله وأسرته وأخواله وأقربائه وقبيلته، ويذكر من باب التفاخر أنه يعتبر ما هو فيه الآن وما يواجه في هذه اللحظة ليس في نظره شيء يذكر أو ذي بال، وأنه على أتم استعداد للصبر والتحمل لأشد من هذا وأعظم، ويستمر على هذا المنوال لا يفتر ولا ينقطع صوته ولا يتلعثم أو يتلكأ حتى ينتهي الختان من إجراء العملية، فإذا ما انتهى الختان قام رافعا صوته مهنئا له بالصبر والثبات، ثم ينتقل إلى الذي يليه، وبنفس الطريقة ونفس البرتوكول، فيتكرر المشهد إلى أن ينتهي من كامل المجموعة، وهم لا يتحركون من أماكنهم ، بل يقفون في وضع واحد ثابت لا تتحرك إلا ألسنتهم بتعداد فضائلهم، وأنهم قد ورثوا الشجاعة كابرا عن كابر، والناس كأن على رؤوسهم الطير، يستمعون ويراقبون كل ما يحصل، لينقلوه إما مدحا وثناء أو ذما وقدحا، فالمتعارف لديهم أن الصبر والشجاعة التي ينشدونها هي في الثبات وعدم التحرك أو حتى في رمش العين أو التعته في الصوت، أو نسيان استحضار ذكر بعض أسماء أهله وأقاربه في انتدابه، وقد يعتبرون ذلك نوعا من الجبن والخوف مما جعله يذهل عن ذكر ذلك، فهو في نظرهم غير ثابت الجنان وغير شجاع، فكان ديدن الشباب التدرب على حفظ أنسابهم، وما سيقوله احدهم في هذا الموقف قبل فترة طويلة ليتقنه تمام الإتقان، بل وقد يجرب احدهم نفسه ويختبرها في قوة التحمل والصبر، فيعمد على تعريض جسده لبعض الآلام الشديدة ، بحيث يجرح نفسه أو يحرق يده أو بعض بدنه بالنار، وكثير ما يستخدمون لأجل ذلك حرق شحمة قصب الذرة (وهو لبها الداخلي) فيشعلونها في النار إلى أن تتوهج فيها النار، ثم يضعها الواحد مشتعلة في ظهر يده أو أي موضع آخر من جسده، لذا تجد أجساد معظمهم مليئة بالندوب والحروق .

      ما أن ينتهي الختّان من عمله كاملا، حتى يلتف حول كل واحد من هؤلاء المختونين أقربائه من أخوة وأعمام وأخوال، ليهنؤوه على صبره ورفعه لرؤوسهم بما قدم من جلد، ثم يركضون به داخل حلقة في اتجاه آخر الميدان، ويقفون محيطين به يطلقون من فوق رأسه كثير من الأعيرة النارية، إعلانا باحتفائهم به على صبره وشجاعته وجلده، والجميع يرددون النشيد المعروف في مثل هذا الموقف:

                       عيصبوه عقذ كاذ   ــ  ما رحه فوق الجعود

  وبعدها ينتهي هذا الاحتفال ، لينطلق جميع الحضور تجاه بيت مضيفهم، وأما المختونين فيتم إدخالهم إلى بيوتهم لمعالجة جروحهم ، وإيقاف النزيف الذي صب ولا شك بغزارة.

وبعد تناول العشاء المعد، ينطلق المدعوون والضيوف إلى ممارسة كثير من الألعاب والعرضات، والسمر الذي يستمر إلى وقت متأخر من الليل.

    بالطبع نحن مجموعة رفقة الأطفال، كان يومنا ملئ بالأحداث والمشاهدات،  وكنا نلتقي ونفترق لماما خلال الاحتفال، حيث أخذ كل منا ينتقل وحده بحرية من مكان إلى آخر، ليستطلع الأمور هنا ويتفرج هناك، ونسينا كل تخوفنا وتحفظنا ، وانغمسنا في الموقف بكامله، ولكن ما إن مضى بعض الليل وقد حان وقت العودة إلى البيوت، حتى ابتدأ الخوف يتسلل إلى أنفسنا، والتفكير فيما سنواجهه من أهلنا عند عودتنا، فقد ذهبت الآن السكرة وجاءت الفكرة، ثم هذا أمامنا ظلام حالك فكيف السبيل إلى تجاوزه للوصول إلى بيوتنا، بينما نحن كذلك إذ بنا نلحظ أحد جيراننا من كبار السن يستعد إلى المغادرة، فها هو يستأذن من المضيفين، بادرنا وكأننا على موعد  لننطلق في معيته، فرحين برفقته فقد زال به بعض ما كنا نخشى، ولم يبقى أمامنا إلا خوف واحد فيما يتعلق بالأهل، كل حبك في نفسه حججا وأعذارا يقدمها لأهله،  وكيف ستقبل وذنبنا كان كبيرا جدا، لأننا ذهبنا في الصباح دون استئذان، وبقينا إلى هذه الساعة المتأخرة من الليل، ولكنه كان يحدونا شيء من الأمل لأنها حالة استثنائية نادرة التكرار، ثم أننا سنعتذر بأننا كنا في معية جارنا فلان الذي اصطحبناه في العودة، ولعل وعسى أن يكون ذلك شفيعا لنا، بالطبع هذا ما حصل وقد حملنا الموضوع أكثر مما يحتمل، فجرى العتب على عدم الاستئذان عند الذهاب، وغطينا عتبهم بما كان لدينا من الأخبار والمشاهدات والمعلومات الكثيرة، فانغمسنا في سرد وترديد ما شاهدناه وما سمعناه ، مما كان شفيعا لنا في تلطيف الجو وفي تشاغلهم عن بعض المحاسبة الشديدة ، مع وعدنا المؤكد في عدم العودة إلى تكرار ذلك مرة أخرى.

    كانت تجربة عظيمة ومناظر مؤثرة، أعجبنا بها أيما إعجاب، وارتسمت في مخيلتنا بكثير من الانبهار، فقد تعلمنا منها كثير وكثير، وتشوقنا إلى أن يسرع بنا الزمن لنصل إلى هذه المرحلة، لنكون نحن في هذا الموقف العظيم من وجهة نظرنا، فالدور لا بد أن يكون قد اقترب منا، فبعد سنوات ليست بالكثيرة سنبلغ السن المناسب لأن نقف هذا الموقف، لذا فقد بقينا فترة طويلة بعد هذا الحدث نقوم بتمثيل ما شاهدناه كمعظم الأطفال في سننا، فنقوم بتداول الأدوار، إما بترديد الأناشيد والأهازيج التي حفظناها حاملين البنادق التي صنعناها لأنفسنا من الخشب والعيدان، والبعض يكونون هم (المدرمة) والبعض (يعكش) بهم، وفي أحد هذه المرات ونحن منسجمين في أداء أدوارنا متحمسين ومتفاعلين فيها، إذ شاهدنا والدي أثناء مروره بنا، وكنت حينها مع أحد أولاد عمي في سني تقريبا أو اكبر قليلا، ففاجأنا بظهوره مما جعل من كان حولنا يتفرقون هيبة للقاضي، وما يكنه له الناس من التقدير والاحترام ، فاستدعاني أنا وولد عمي، وعندما وقفنا بين يديه بادرنا بقوله هل لكم رغبة في الاختتان؟، فأجبناه في الحال بالإيجاب، خوفا منه في البداية ومجاراة لما نتوقع أنه يريد أن نقوله، لأننا لا نستطيع أن نجادله أو نرد له طلبا، مع وجود رغبة بسيطة ولكن كنا نؤمل أن يكون تحقيقها على المدى الطويل، فلم يحن الوقت بعد حسب توقعنا مما هو شايع بين الناس في ذلك الزمان، وأجبناه بالإيجاب حتى لا نظهر أمامه أو أمام أنفسنا بأننا جبناء عن مثل هذا الموقف كما نتصور، فكان تجاوبه حاسما حيث قال لنا (إذا استعدوا)، وانصرف وانصرفنا ونحن نحسبها مزحة منه أو مداعبة، لأنه لو كان جادا كما نظن فلا بد أنه سيقيم لنا احتفالا كما يفعل الآخرون، مثل هولاء الذين اختتنوا قبل أيام، وبالتالي سيكون هناك مجال للاستعداد النفسي والبدني ، أو قد يتدخل الآخرون لتغيير أو تأجيل بعض القناعات لديه، ولكن ما إن عدنا للبيت في ذلك المساء إلا وفاجأنا باستعداده التام، حيث طلب منا تنفيذ الأمر في الحال، فقد كان كما يبدو قد بيت النية وعزم على الأمر، فهو إذا فكر في أمر لا يتردد في البلوغ به الغاية، ولعله كان بصفته قاض البلدة والقدوة الصالحة فيها، فكأنه أراد أن يسن سنة حسنة في المجتمع، ويغير ويزيل عادة سيئة قد سار عليها الناس وألفوها، إلى أن أصبحت بحاجة إلى التقويم والتصحيح بشدة وحسم، لما فيها من المخالفات الشرعية والاجتماعية الكثيرة، فبسبب هذه العادة المتبعة في سنة الختان، وما يحتم على المختون أن يكون في كامل استعداده وثباته، وأن يكون ملما بما سيواجهه من موقف محرج واختبار كبير صعب، وان لا يقوم بتصرف يكون فيه مسبة له ولأهله أمام الآخرين.

     وفي الغالب أن هذه التوقعات والاحترازات، كانت تسبب في الغالب ضغوطا رهيبة على المختون وعلى أهله، وكان الناس يضطرون إلى تأخير عملية ختان أبنائهم إلى سن متأخرة ، فقد يصل احدهم إلى سن البلوغ أو يتجاوزه لأجل ذلك، وقد يحجم البعض عن الختان خوفا من الفضيحة أو لعدم قدرته على تحمل أعباء هذه المناسبة ومصروفاتها المبالغ فيها ، حيث خرجت كثيرا عن المألوف عنها كسنة دينية، إلى أن تحولت إلى مجالات أخرى، منها الحرص على كثير من أبراز مظاهر التفاخر والتباهي أمام الآخرين، فقد كان احدهم إذا حان موعد اختتانة وحدد وقته المعلوم، قام بإعلان ذلك أمام الناس، ودعوتهم للحضور في الوقت المحدد والمكان المحدد، حتى لا يكون في نظر الناس فلانا أحسن من ابننا وأشجع، فهذا لديهم مجال للمفاخرة والتباهي، وكان احدهم يعلن عن هذا الموعد في الأسواق والتجمعات، موجها دعوته إلى كل من يرغب في المشاركة للاحتفال والمشاهدة، ويحضر الناس على الموعد وفي المكان المحدد، ويختلف حسب مكانة المختون واهله، فعلية القوم والقادرين لابد أنهم سيقيمون احتفالا كبيرا، وسيكون فيه كثير من السرف في الأكل وإطلاق النيران وغيرها ، مع ما يحدث في عملية الختان من كشف للعورات أمام الملأ، وما قد يلحق هذا الشاب وأهله من فضيحة أو عار إذا ما لا سمح الله وارتباك أو لم يحتمل بعض الألم، فكل الناس تراقب تفاعلاته أثناء إجراء عملية الختان، ليتأكدوا من تحمله وصبره وقوة جنانه، فيتناقل الناس كل ذلك ويشتهر الأمر في كل مكان، وقد يحدث لا سمح الله أن تظهر عليه بسبب الألم حركة غير مقصودة، أو ينسى بعض الكلام عند اعتزائه بأهله وأصوله، أو يتلعثم لسانه أو يخفت صوته ، فتبقى هذه مسبة عليه طول عمره، بل قد يتوارثها أبنائه من بعده في بعض المواقف، ولن يستطيع بعدها أن يرفع رأسه مهما فعل خلاف ذلك من ضروب الشجاعة والجراءة الحقة، مع ما يحدث في الاحتفالات هذه من كثرة التجاوزات التي لا تعد ولا تحصى، إذا فالأمر أصبح ملحا لا بد من التغيير فيه والتصحيح، وبالذات مع تغير الزمن وتبدل المفاهيم الاجتماعية، وانتشار العلم وتطور الحياة ، ويزداد الأمر إلحاحا إذا ما كان القاضي من أهل البلدة ، فلا بد أن يكون له دور اكبر وأكثر ايجابية، فدوره أعظم وواجبه يتضاعف، ولن يستطيع أن يكون قدوة إذا لم يبدأ التغيير بنفسه وأهل بيته، وهو ما حصل وما عزم عليه في هذه اللحظة، فكنت أنا وابن عمي هما المثال الذي يجب أن يحتذى به، لذا اصطحبنا في الحال إلى المجلس الرئيسي في البيت، ولم يعد هناك مجال للتردد أو النكوص، وكان قد استعد للأمر واعد له عدته، واستعان فيه بأحد أعمامي ليكون مساعدا له ، وكنت أول تجاربه التي سينفذ فيها ما قرره، وكان رابط الجأش لا يتردد ، قوي الإرادة لا يجبن ، قام بإجراء العملية بنفسه ، مع ما صاحبها من تخوف من المدرمة ، وتلعثما في الانتداب خالطه بعض الصيحات غير الموزونة، ولكنها كانت في الحقيقة تجربة ناجحة له بكل المقاييس، فبين اخذ ورد وبين مصدق ومكذب منا، وصياح وبلبلة ووعود وتوعد انتهى الوضع وقضى الأمر بصورة ما كنا نتوقعها ، ولم يشعر بها احد حتى من أهل البيت إلا بعد اكتمالها والانتهاء منها، ولم يعد أمامهم إلا القيام على علاجنا، وإيقاف النزيف، ثم العتاب والتلاوم .

   ولما أحسسنا بأننا قد انتهينا وخلّصنا واجبنا، انطلقنا فرحين نفاخر بذلك بين لداتنا، ومن كانوا في أعمارنا، ونعلن مسرورين بأننا قد اختتنا، وكنا نقلد في المشية والحركة المختونين الكبار، عندما كان احدهم يتثاقل ويمشي ببطء، ويرفع احدهم طرف ثوبه حتى لا يلتصق بالجرح فيؤلمه، وكانت لنا مشية فيها كثير من التفاخر والدلال بين أقراننا.

     لقد كان لهذا الفعل الذي قام به القاضي، ردة فعل ايجابية في المجتمع،  وكان لها وقع كبير ومؤثر بين الناس، فلاشك أن تطبيقه للأمر عمليا في ولده وولد أخيه دور إيجابي كبير، فقد احدث تغييرا عظيما لدى كثير من الناس بصورة كبيرة، فما أسرع ما قلده مجموعة من علية القوم بعد اقتناع تام ، وبأن هذا هو بالفعل السبيل الصحيح والأمثل، فبادر كثير منهم إلى ختان أبنائهم وهم صغار في السن مثلنا في تلك الفترة، واستمر الحال بعد ذلك من الأفضل إلى الأفضل ، فقد كانت تلك البدايات الايجابية ، حتى انتهت بحمد الله هذه العادة السيئة نهائيا، واضمحلت من المجتمع بالكلية، بل ونسيت أو كادت والحمد لله رب العالمين ، فأصبح الطفل يختن وهو في أسبوعه الأول أو بعدها بقليل، ولم يعد لذلك المشهد الذي عشناه مع هولاء المختنة وجود، وتغيرت مفاهيم وتبدلت أفكار وأنتقل الناس إلى أسلوب آخر أكثر تحضرا وأكثر إتباع لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

والى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله .

                                         محبكم / عبد الله بن علي قاسم الفيفي ـ ابو جمال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/faifaonl/public_html/wp-includes/formatting.php on line 4731