
أقلام عوجاء
في كفه أخـرس ذو منطـق * * * بقافـه واللام والميـم
شـبـر إذا قـيـس ولكـنه * * * في فعلـه مثـل الأقــاليــم
محرف الرأس ومسوده * * * كإبرة الروس من الريم(١)
أقسم الله تعالى في كتابه العزيز بالقلم ، ووضعه في المكان الرفيع ، ونوّه به في المنصب الشريف ، فقال : ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ .. (2) وجاء القرآن الكريم بسورة كاملة تحمل اسمه ، لعظم شأنه وقوة حجته .
فبالقلم يدون كل شيء ويحفظ من الضياع ، فقد نقل لنا ماضٍ عريق ، وخلّد ذكرى خالدة لشخصيات ذهبت ، ورمى في هامش التاريخ سوءات أقوام فلا يذكرون إلاّ بها ، أثبت به العلماء مؤلفاتهم وناظروا به خصومهم ، إذا كتب أبدع وإذا حكم أوجع وإذا ضلّ ضَيّع .
يقول أديب الفقهاء وفقيه الأدباء الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله : ( إن عمادي هذا القلم ، وإنّه لغصن من أغصان الجنّة لمن كان يستحقها , وإنّه لحطبة مُشتعلة من حطب جهنّم لمن كان من أهل جهنّم ) .
تأمل كلامه رحمه الله الذي يحكي هذا الواقع الذي نعيشه ، أقلام التي سخرت في الخير وأقلام سخرت للشرّ ، أقلام تكتب وتبدع ، وأقلام تكذب وتخدع ، أقلام مُشَرّفَه وأقلام مُدَنّسَة ، أقلام عوجاء وأقلام مستقيمة .
فنتساءل لماذا هذه الأقلام مكسّرة ، وما هو السبب في ذلك؟ ، إنها أهملت ولم تعطى حقها ولأنها لم نستخدم استخداماً صحيحاً فتكسرت مع مرور الزمن ، وأصبحت بلا قيمة تذكر ، ولماذا هذه الأقلام العوجاء انتشرت؟
أهملنا التدوين وتقييد كل ما هو مفيد في المدونات الخاصة ، وتركنا كتابة ما نقرأ وما يختلج في صدورنا وعقولنا من الأفكار ، فكم من أفكار ضاعت ، وكم من حكم وفوائد وفرائد ماتت في مهدها لأنها لم تحيا وتعالج بهذه الإبرة الصغيرة ـ القلم ـ .
تساؤل . . لماذا؟ . . من السبب في عوجها؟ . . من كسرها؟ . . كيف؟
فقلمك هو جنتك أو نارك ، هو جنتك إن كان دليلاً على الخير ، فأنعم والله بقلم سطر كلمات النور ، ووصايا الهدى ، وكان كالقمر المنير الذي يهدي التائهين في الظلمات ، وهو نارك إن كان دليلاً على الضلال ، فاتحاً لأبواب الشرور والشبهات ، ساخراً من أئمة الهدى وبدور الدجى .(3)
تأمل هذين البيتين :
ومَـا مِن كَــاتبٍ إلا سَيفـنَى * * * ويُبقى الدَهرُ ما كَتبتْ يداهُ
فلا تكتُبْ بكَفِكَ غَيرَ شيءٍ * * * يَسُـركَ في القيَامَـةِ أن تَراهُ(4)
صدق الشاعر رحمه الله تعالى في كلامه ، فاحذر أن تكتب ما يبقى شاهداً عليك ، فإذا فني المرء بقي قلمه يذكره بخير أو بسوء ، ويبقى رهين عمله وقلمه ، فإن لم تجعل لك قلم يفيض عليك بالحسنات بعد وفاتك ، فاحذر أن تكون ممن يشقى بسبب قلمه وسيئاته تجري عليه في قبره .
اجعل قلمك يدل عليك ، ويشير إليك بحروفه التي تسطرها به ، اجعله شاهداً لك يوم القيامة ، اجعل قلمك نقياً خالصاً لوجه الله ، ابعده عما يشوبه ويعود عليك بالسوء والوبال ، اخدم به دينك ومجتمعك ، احذر من جعله لساناً سليطاً على ثوابت الدين وشعائره ، وعلى أئمة الهدى ورموز الخير من الصالحين ، احذر أن تنشر به الكذب أو تقدح به في رجال الدين والدولة ، فلا تفسد به دنياك وأخراك .
القلم الذي يعكس اتجاه الفطرة والآداب والقيم فهو قلم أعوج ، والقلم الذي يخالف سنة الحياة ليصبح متكسراً في مشيته وكتاباته وحروفه لهو أحق بالكسر على رأس صاحبه ليفيق من غفلته ورقدته التي جعلت على بصره غشاوة فلا يبصر الصواب ، فهذه الأقلام أفسدت فقد حان كسرها ، والقلم الذي يعكس السير فهو قلم يبحث عن الشهرة اعترافاً منه بالمثل السائد (خالف تعرف).
أصبح القلم أمضى سلاح وأنفذها وأبقاها على الزمان وأثبتها للغير ، فلا تسطر به إلاّ خيراً ، فالساحة الورقية والمعلوماتية والعنكبوتية تعج بكثير من الأقلام فيها من الخير الكثير وفيها من الغث السمين ، في كل فن من الفنون ، وفي علوم مختلفة ، فاختر لنفسك من هذه الأقلام ، متابعة واقتداءً وإعجاباً ، والمرء لا يبحث إلاّ عما يفيد وينفع .
وتأمل هذه المؤلفات التي تمتلئ بها رفوف المكتبات العامة والخاصة لهي والله أقلام جديرة بالذكر ، وقف خلفها جهابذة مخلصون ، ينتقون من الفنون أطايبه ، ومن العلم أحلاه ، ومن الدرر أغلاه .
أفلا نجعلهم قدوة لنا في الكتابة؟ أم نسير على خطا من مالت أقلامهم وتنكبت الطريق الصحيح لأجل الشهرة .
فإذا أردت أن يبقى ذكرك بعد موتك فاكتب شيئاً يستحق أن يقرأ ، أو افعل شيئاً يستحق أن يكتب ويدون ، فمن الكتّاب من يرتقي بكتاباته ، ومنهم من يدنس قلمه بعباراته ، بينما نجد آخر يظلم الكلمات بقلمه .
ثم اعلم أن الزبد يذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ، ولا تضيع وقتك الثمين في كتابة التفاهات ، وإن اعوجّ قلمك في أول الطريق فلن يصل النهاية ، بل سوف يكسر قبل منتصف الطريق وإن أُعجب به الكثير ، ثم تجد نفسك قد خسرت قلمك ووقتك فضلاً عن معجبيك .
بقلم
الأستاذ : عيسى بن سليمان الفيفي
الأحد 8 / 5 / 1435هـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)ـ الفضفاضي .
(2)ـ سورة القلم ، الآية : (١) .
(3)ـ ومضة حول القلم ، محمد مشعل العتيبي .
(4)ـ الشاعر أمين بن خالد الجندي المتوفى عام 1246هـ .








مقال جميل يستحق القراءة, وطرح موفق بكثير بالتوفيق أخ عيسى.
يعطيك العافية مقال ممتازوانت ماشاءالله صاحب قلم مبدع ومتألق بالنسبة للقلم ورد ذكره فلقرآن اربع مرات في آل عمران ايه 44
وفي لقمان 27وفي القلم 1وفي العلق 4 وهناك مناضرةبين السيف والقلم وكانت حجة ااقلم اقوى شكراعلى اختيارك وابداعاتك المميزة
شعرا
ومامن كاتب إﻻسيفنى …ويبقي الدهرماكتبت يده
فﻻتكتب بيمينك غيرشئ …يسرك فلقيامة انتره
أشكرك يا أستاذ عيسى
وإلى الأمام دائما بإبداعاتك
************
ولكن عندي ملاحظة بسيطة جداً
بالنسبة لكلمة ( القلم ) فإنها أصبحت مجازية فندرة من الناس هم فقط من يكتبون مقالاتهم بأقلامهم
والغالبة العظمى ينثرون أفكارهم عبر لوحة المفاتيح ( الكيبورد )
وشكرا لك مرة أخرى