
إذا أردت أن تقف على قوة وصدق العاطفة عندشاعرما فابحث عنها في غرضي الرثاء والغزل لديه .
أقدم للقاريء الكريم مقطوعة شعرية ساخنة ، باكية مبكية ، نفّس بها الشاعر مويلك بن مزموم ، عن مكنون صدره حيال وفاة زوجه – أم العلاء –
امرر على الجدث الذي حلّتْ به * أم العلاء ، فنادها ، لو تسمعُ
أنَّى حللتِ ؟ وكنتِ جدّ فروقة ، * بلدا ،يمرّ به الشجاعُ ، فيفزعُ
مطلع هائج ، يعبر عن شعور يغلي ، لفقد إلفِ شاعر حساس ! يطلّ علينا بفعل الأمر : امرر ، الذي تزيد وضوح قسوته بفك إدغامه ، لكي يبدو مفككا ومهلهلا ، وكأنما يرمز لذلك الخلل الذي اعترى حياة الشاعر بعد مصابه الجلل ، فهو ذو دلالة من الهيجان العاطفي ، حتى لكأن المُتلقّي يسير على صخور خشنة حامية ، كما يزيد وضوح هذا الشعور الصلف أسلوب التجريد الذي تعمده الشاعر ، بحيث جعل من نفسه شخصا آخر يوجه إليه شكواه . ثم تأتي لفظة ( الجدث) التي تهز القلوب ، وكأنما هية داهية قد امتلأ جوفها بتلك الفقيدة . وفي تعمّد الشاعر الاكتفاء بكنية فقيدته ما يشعرنا بمدى ضنّه بها ، فهو في أوج أحزانه ، يؤصِّلُ لقِيم مُثلى يجدر أن تسود بين الزوجين .
ويترقّى خيال الشاعر ، وتتصاعد انفعالاته ، وتتوالى زفراته ، فنراه يحشد كل ملكاته اللغوية ، ليقول بعد ذلك :
صلّى عليكِ اللهُ من مفقودة * إذ لايلائمك المكان البلقعُ
فلقد تركتِ صبيّة مرحومةً ، * لم تدرِ ماجزعٌ عليكِ فتجزعُ
بعد دعائه لها ، أخذ يتفكّر في مآل صبيّته ، التي لم تميّز بعد .
تأمّل لفظة ( صبيّة) الدال على صغر سنها ، بحيث تلهو وتسكن عواطفها نهارا ، ولكن سكونها ما يلبث أن يهيّجه الليل ، ويستثيره الظلام ، فتبيت ساهرة مسهرة .
ثم تأمل اللفظة نفسها من زاوية أخرى ، كيف استطاع الشاعر أن يجعلها لمشاعره وقودا ، لايزال يمدها بما يذكيها ، كلما كاد أُوارها أن يخبو .
ثم تأمل اللفظة نفسها من زاوية ثالثة ، إذ إنها لم تخصص بتعريف ، ولم تحدد بمخصوص ، وإنما هي صالحة لتصوير الشاعر مرهونا بتوالي سنيّها ، وشمولية مدلولها .
ثم يصل الشاعر إلى ذروة انفعاله ، وقمة أحزانه ، فيقول :
فَقَدَتْ شمائلَ من لزامكِ حلوةً * فتبيتُ تُسهِر أهلها ، وتُفَجِّعُ
الشطر الثاني من هذا البيت يمثل عين القصيد في المقطوعة ، فقد فجّر فيه ثلاثة أفعال مضارعة ، تبيت ، وتسهر ، وتفجّع .
تبيت ، فعل ليلي أسود ، وتسهر ، فعل ليلي أسود كذلك ، وفيه مايدل على أنها لم تسهر لوحدها ، ولكنها تسهر معها ذلك الحزين المكلوم وغيره .
وتُفَجِّع ، فيه زيادة في مبناه ، دلّت على الزيادة في معناه ، فهي لم تفجَعهم مرة واحدة ، ولكنها تُفجِّعهم مرة تلومرة تلو مرة …. !
ولاحظ مايكتنزه هذا البيت من حروف العلة – التي تسمح بامتداد الأنين وبثّ الشكوى !
فهذه الألف في : شمائل ، لزام ، أهلها . وهذه الياء في : تبيت .
وأخيرا يقول :
وإذا سمعْتُ أنينها في ليلها * طفقت عليكِ شؤون عيني تدمع .
عندما يستنهضه أنين طفلته ، يستحضر صورة أمها ، فيبكي فقدها .
يدرك القاريء الكريم أن الشاعر قد تمكّن من إيصال رسالة قوية إلى المتلقي ، مفادها : إن فاجعته ليست كأية فاجعة ، تطويها الأيام ، ولكنها فاجعة حية تنمو مع الأيام ؛ بوجود مصدر ذكراها ( الصّبيّه) ، أجاد الشاعر ، فبكى وأبكى في وقته ، وفي وقتنا وما بينهما .
وأما بعد :
فلقد استخدم الشاعر قافية العين ، وهي قافية شرود ، لايروضها إلا شاعر متمكن في فن هذه الصنعه .
أعجبني · · الترويج · مشاركة








ماشاءالله تبارك الله
استاذي الفاضل
اخي الكريم
الشيخ احمدبن محمدالحكمي
اسعدك ربي وحفظك ورعاك.
الطيب من اهل الطيب طيب
فطوبى لنا بك.
نفحاتك كما عهدناها
بعبير العود والند
فتسني الخد
ويتثنى لها القد
تقبل فائق احترامي وحبي ..
كم اجد في سطورك معنى الادب والتربيه سلمت وسلمت يداك
ابدعت يا استاذنا الكريم
احزنتنا يا شيخ احمد اتمنى المقال الثاني يكون في الغزل
أبدعت شيخنا
وفي فيفاء مثل يقول : شخصان مصيبتهما كبيرة ولكن لا أحد يلاحظ ذلك
المزكوم ( المصاب بالانفلونزا ) ومن فقد زوجته !
وفقك الله
وفقك الله ياشيخ احمد
دائمن كما انت يا شيخنا العزيز كلاماتك اللتي تجذبنا بجمالها وروعة مفهومها وقوة معانيها شي رائع يا استاذنا وشيخنا وفقك الله الى ما يحب ويراضا
تبا لجمالك أبا محمد..
أرجو صدقا أن تتتابع حلقات من هذا النحو لعلنا نرتقي بذائقتنا قليلا إليك..
إجلالي ومحبتي
لله درك أبا محمد
كتبت فأبدعت
وشرحت فأوفيت
جعلت القارئ يتلذذ بما كتبته حرفاً حرفاً
جعلتنا نبحر في عالم الشعر
رسمت وترجمت هذه العاطفة بشرحك وكأن صاحبها ماثلٌ أمامنا
لك منا كل التقدير والإجلال
استاذى واخى الفاضل الشيخ احمد
تواجدى هنا ليس اكثر من تسجيل حضور الى مجلس ادبي راقي حرصت العرب في السابق على حضور مثله وقد كان حكماء العرب في السابق يعلموا ابنائهم بحضور وملازمة رواد الادب والشعر
وانت تجمع لنا بين الاثنتين الشعر والتربيه ومشاركتك هذه اعتبرها محاضره يجدر بالشخص حضورها
اتمنى في قادم الايام ان تمنحنا وتخصنا بشي من نتاجك الادبي فهو اقرب واسهل لنا كوننا عايشنا شاعره وفترته
تقبل تحياتى وخالص التقدير
فإنك شمس والنجوم كواكب * إذاطلعت لم يبدو منهن كوكب
ماقصرته يعطيگ العافيه
ابدعت وساويت كلمات جميلة ورنانة تشدو مثل الوطف والعصافير
حقيقة انت قمة في نسج الحروف شكرا لك وشكرا لإناملك
محبتك كليو بارتا هههههه