خلفية:
سيارة الأجرة في لندن عادة ما تكون مملة حيث يسود الصمت طوال الطريق، لعدم رغبة الطرفين في التحادث، إضافة إلى ما هو معروف عن تاكسي لندن الشهير من وجود فاصل زجاجي بين السائق والركاب، لا يوجد فيه سوى فتحة صغيرة تشبه فتحات زجاج المصارف، بهدف دفع الأجرة منها ومعرفة العنوان المراد! لذلك بفضل كثير من الناس ركوب قطار الميترو underground لسهولته وسرعته ورخص أجرته.
الموضوع:
يوم الجمعة 6.9.2013 كنت في لندن لإنجاز بعض المعاملات، وفي آخر النهار احتجت إلى الانتقال منChiswick High Road حيث الملحقية الثقافية السعودية إلى محطة القطارات المسماة Kings Cross Station حيث سأمتطي منها القطار المتجه للشمال. كنت مترددا في أخذ الميترو، لأن المعلومات التي لدي تقول بأنه لا يوجد طريق مباشر من الشارع المذكور عند الملحقية الثقافية إلى محطة القطار التي أريدها، ما يعني أني سأحتاج لتغيير القطار أكثر من مرة حسب المسارات المرسومة في الخريطة، و خشيت أن تفوتني الرحلة بسبب هذه التغييرات، فأضطر إلى دفع أكثر من مئة جنيه (أكثر من ستمئة ريال سعودي!) لرحلة تالية علاوة ما دفعته قبلا. واعتقدت أن سيارة الأجرة قد تكون أسرع رغم غلائها الفاحش. أثناء ترددي وتفكيري رأيت سيارتي أجرة سوداوين واقفتين على قارعة الطريق، فذهبت إلى الأولى منها وسألت قائدها عن الميترو، فأعطاني تفاصيل تشبه التي كانت لديّ. وقال: إن كان لديك وقت فالقطار أفضل وأرخص، ولا تتوقع أن التاكسي أسرع لأن الطرقات الآن في ذروتها، ذلك أننا سنصادف وقت خروج الموظفين وبداية عطلة نهاية الأسبوع. فشكرته وقررت أخذ الميترو، غير أن موعد قدومه لم يحن بعد.تجاذبنا أطراف الحديث حول لندن والطقس الذي كان رائعا ذلك اليوم بشكل استثنائي. كان البرلمان البريطاني قد صوت ضد التدخل البريطاني في سوريا قبل نحو أسبوع من ذلك التاريخ، ولذا كان الموضوع لا يزال متداولا. في البداية ظننت السائق من شرق أوروبا بسبب سحنته النصف أورو–غربية، لا بسبب لكنته، إذ لا يبدو من انجليزيته أنه أجنبي. عند الحديث لاحظت أنه متحمس للعرب والشرق ضد الغرب وأمريكا على وجه الخصوص ويهاجمهما بعنف لكن بلا بذاءة. بطبيعة الحال أعجبني موقفه من حيث المبدأ لكنه لفت نظري بحديثه عن المؤامرات على الشرق العربي. فقلت له إن كلامك يشبه كلام كثير منا، ومع وجاهته، إلا أن الفيروسات لا تؤثر في الأجسام الصحيحة، بخلاف الأبدان العليلة التي تكون فريسة لأي غريب عليها. والأولى للمريض أن يبحث عما يداوي علته ويقوي بدنه بدل أن يلعن الفيروسات صباح مساء. بعد برهة سألني: هل تتحدث العربية؟ قلت: نعم. ثم أردف: من أين أنت؟ فأخبرته. فهش وبش. قلت: وأنت؟ قال: أصلي من الجزائر. فهششت مثله!قلت: وعربيتك؟ قال: لا بأس بها. ثم أخذ يتحدث بالعربية، ولكنه ما يلبث أن يتحول إلى الإنجليزية بسبب عدم معرفته بمعاني كثير من المفردات، فأصبحت أنا معرِّبا! ثم استمر النقاش بسبب الاشتراك الثقافي والهموم المشتركة. وعندما طال المقام، وازدان الحوار، قررت أن نذهب بسيارته ونكمل نقاشنا في الطريق. فعاد إلى تحذيري من طول وقت الرحلة (لأن الحساب هو على الوقت المستغرق بين المكانين، لا على المسافة المكانية بينهما). فقلت: لا بأس لدينا وقت كاف. فانطلقنا، وعندما وجدت أن الحديث يتقطع بسبب المشاكل اللغوية المتكررة طلبت منه التحول إلى الانجليزية والاستمرار في السياق، ففعل. مع أنه اتفق معي أننا نحن المرضى، وأننا لولم نكن مرضى لما ضرتنا فيروسات الغرب والشرق بهذا الشكل، إلا أنه استمر في الدفاع عن مظلوميتنا!
بغض النظر عن اتفاقنا واختلافنا، فهذا لا يهم، ولكن ما لفت نظري هو ثقافته الواسعة على كافة المستويات؛ في الدين (قرآنا وسنة) والسياسة والثقافات والآداب والفنون. فسألته: كم مدة إقامته في هذه البلد، فقال:عشرون عاما أو تزيد. فقلت: أرجو المعذرة، ولكن ما في مخيلتي عن سائقي سيارت الأجرة، أنهم لا يهتمون بمثل هذه الأمور كثيرا، ولا يجدون الوقت الكافي لمتابعة ما قيل عن الماضي والحاضر. هم مهمومون بتأمين لقمة عيشهم وكفى. قال: هذا ليس دقيقا. صحيح أنه هو الشائع لدى الناس. والشائع أيضا أنهم لا يلجأون إلى هذه المهنة إلا لكون مؤهلاتهم العلمية والمهنية ضعيفة. ولكن هذا ليس في كل الأحوال. سيارة الأجرة توفر الدخل العالي والحرية في العمل والتسلية أيضا! قلت: كيف ذلك؟ قال: لسنا دائما مشغولين، فعندما نرى أننا حققنا دخلا معقولا في اليوم، فقد نعود إلى منازلنا ونقضي بقية يومنا في عمل حر كالقراءة أو الترفيه او أي عمل آخر. ذلك أفضل من أن تبقى مقيدا بعقد عمل لا تخرج ولا تدخل إلا متى يشاء الآخرون أو يأذنون لك. وكما ترى فإن السائق قد يحصل على حوالي خمسمئة جنيه وربما أكثر قبل حلول الرابعة عصرا، وهو راتب أسبوع لموظف ذي شهادة عالية! ثم إننا لا نتحرك غالبا من مكاننا إلا براكب، فنحن لا ندور في الشوارع كثيرا كما يحدث في العالم الثالث. ثم إننا ننتظر أحيانا لنصف ساعة أو أكثر خصوصا عند محطات القطارات والمطارات، وهذا يتيح لنا وقتا للقراءة. قلت: القراءة! قال: نعم. انظر هذه هي الكتب التي أقرأ فيها عند فراغي، وأراني كتابا فلسفيا ضخما نسيت عنوانه وربما يكون The Concept of Mindللفيلسوف الانجليزي Gilbert Ryle. وعلى العموم كان كتابا لم يسمع به بعض من كبار المثقفين، فضلا عن أن يمكن تخيل مثله عند أي سائق سيارة أجرة في بلداننا، مع كامل الاحترام لكل سائقي الأجرة وكل فئات المجتمع. قال: نعم. العلم ليس في الكليات فقط، بل يمكن تحصيله عبر الكتاب والحاسوب والجوال ما دمت تمتلك الأسس الضرورية للمعرفة. قلت: أتفق معك. فالناس تعتقد أن أصحاب الشهادات العليا مثقفون، وأنهم ملمون بمعظم علوم الحياة، وهؤلاء بدورهم يتبسمون تبسم الموافق على تلك الفرية، خصوصا وأن لديهم عبارات ومصطلحات وكلمالت أجنبية يرمونها في وجوه المتشككين الذين سرعان ما ينهار أكثرهم بسبب عدم معرفتهم بخباياها، واعتقادا أن هذا ما هو سوى رأس جبل الجليد!
عندما زعمت أنه مثقف، فأنا أعني ما أقول تماما. ليس من ذوي الثقافة الأفقية، التي يتميز صاحبها بالمعرفة الواسعة والسطحية. بل هو مثقف موسوعي وعميق، يخبرك ويسوق الدليل قرآنا وسنة، وكثيرا ما يخبرك بالتواريخ أيضا: عام كذا، وبأسماء الأعلام، حتى لو كنت أنت من بدأ الموضوع لكي لا يُعتقد أن لديه محفوظات معينة يسوّقها على الآخرين. لا أخفي أنني ظننت ذلك لوهلة، فاختبرته بشكل غير مباشر عن طريق تشتيت المواضيع وبعثرة بعضها أو تجزئتها أو تفريعها. ولكنه كان رائعا بمعنى الكلمة. لا أعد نفسي مقياسا، لكي أقول إنه يعرف ما لا أعرف، ولكني كنت أظنني أكثر اطلاعا من سائق سيارة أجرة، بسبب تفرغي وانشغاله لا لسبب آخر. لكنه تبين أنني كنت واهما. لا يتسع المجال للحديث عما تناولناه، وبعضه قد لا يكون مناسبا هنا، ولكنه يتسع للقول:
إنني تعلمت في تلك الرحلة التي لا أدري كم استغرقت، ولا يهمني ذلك، الشيء الكثير. تعلمت ما لم أتعلمه في المدارس والكليات. تعلمت ألا تقيس الناس بمقاييسك، وألا تحكم عليهم من الشكل أو اللون أو الهيئة أو المهنة. وألا تعتقد أنك تمتلك الكثير مما لم يمتلكه غيرك. تعلمت أن العلم والمعرفة والخبرة لا تقتصر على دور التعليم ومراكز التدريب ومعامل الإنتاج، بل يمكن للشخص أن يتعلم في الشارع والسوق والمطار ومحطة القطار وفي وسائل النقل. وأن يتعلم من الدكتور والأستاذ والموظف والعامل البسيط وكبير السن والطفل ومن الكائنات الحية الأخرى، بل ومما يسمى بالجمادات أيضا! كان مل تعلمته شيئا عظيما، تكمن عظمته في بساطته، وقصر وقته، وقيمته المعنوية.
بالطبع شكرته، وأشدت به، وشجعته على المضي قدما، وأوضحت له كم استفدت منه وكم أنا ممتن له.وأخبرته أنني عددت نفسي كأني في صالون ثقافي من طراز رفيع، وليس في سيارة أجرة سوداء في شوارع لندن. ومع ذلك قال: إن أمنيته منذ الصغر، أن يزور المدينة المنورة التي لم يرها قط. وأنه مستعد أن يسلّم كل ما يملك في بريطانيا على أن يعيش بقية حياته في المدينة المنورة، علما بأنه يعد نفسه ثريا، إذ لديه أرصدة ومنازل وعقارات مؤجرة، وهو ليس بحاجة مساعدة من أحد، لا مادية ولا معنوية، ولا يسعى لنيل أي جنسية أخرى. فقلت: بلغك الله مناك… ثم حاسبته وودعته، لأدرك قطاري الذي اتجهت معه إلى الشمال في رحلة لها قصة أخرى.
حسن بن جابر المدَري الفيفي. ليدز- بريطانيا
ذو القعدة 1434 / سبتمبر 2013








أخي وأستاذي أبا هشام
كم أنتَ رائع في أسلوبك القصصي !
والله إني أقرأ وأتخيل الحدث وكأنني كنتُ معكما حينها . أما بالنسبة لطريقتك وأسلوبك في استخراج الفوائد من المواقف التي تمر بك في حياتك فهذا شيء مميز فيك ، بل هو من أكبر ما لفت انتباهي فيك مذ عرفتك .
ووالله إني تعلمتُ -ولازلتُ- أتعلم منك أشياء عدة لن أجدها عند غيرك . فأنت تملك أيضا أسلوبا عجيبا وفريدا في نظرتك للأمور وأيضا في طريقة معالجتك لها وفي طريقة إيصالك لفكرةٍ ما إلى الطرف الآخر .
من الأشياء التي لاحظتها فيك أيضا أنك قبل أن تحكم على أي موقف فإنك تضع نفسك في دائرة الحدث أولا ثم تبحث عن المبررات قبل أن تفكر في إطلاق الحكم تجاه ذلك الحدث أو الموقف ؛ فلله أنتَ يا أبا هشام.
أعتذر منك لخروجي عن الموضوع أعلاه ، ولكني أحببتُ أن يكون حرفي هنا عن شخصك لا عن قلمك بورك فيك .
تقبل أزكى تحية وكل التقدير والاحترام أخي وأستاذي الغالي .
مبدع أنت أبا هشام
لك وحشة والله , مازلت أروي سواليفك لكل من قابلتهم
لعلك ذكرتني , أنا زميل أبا سيف محمد المالكي
أخي الغالي , لا يكون التعليم ومن بعده الثقافة والحرص عليها إلا ترفا في رأيي فرجل يكدح ويبحث عن لقمة العيش لن يكون لديه الوقت الكافي لقراءة آراء المثقفين وأفكارهم , ثم إن الأمن والأمان يأتي بعدها التعليم , خذ مثلا بريطانيا أقدم الجامعات فيها ترجع لبضعة قرون بينما أقدم جامعة لدينا لا تتجاوز سبعون سنة , رغم ذلك فقد لحقنا بالركب وخاصة الركب العربي الذي كان بيننا وبينهم بون شاسع , فعندما كان الملك عبدالعزيز رحمه الله يتخذ قرار فتح أول ابتدائية في الرياض كانت جامعة القاهرة على أشدها و رغم ذلك فقد اختزلنا المسافة وخاصة ببرنامج خادم الحرمين الملك عبدالله حفظه الله للإبتعاث الخارجي والذي إختزل المراحل , نطمع أن هذه الطفرة العلمية سوف تتنتج جيل يجعل اللقراءة والثقافة والعلم همه ومعيار التفضيل في ما بينه لا بمن يركب أرفه السيارات .
دمت بود
ولك تحياتي تترى
أخوك : أحمد فرحان الفيفي
الرياض
أهلا وسهلا أخي أحمد
لقد سعدت برؤية اسمك في هذه الصفحة. وسعدت أيضا بإضافتك الرائعة.
بالفعل يمكن للشعوب أن تختصر المسافات أفقيا وعموديا، مع صعوبات وعقبات وأخطاء مؤلمة، ولكنها في النهاية سوف تعحقق نتائج باهرة. وكما تفضلت فمقارنة الجزيرة العربية في الخمسينات بمصر والأقطار العربية الأخرى تبدو مثيرة للشفقة بشكل لا يمكن تصوره. بينما الحال مختلف تماما، بفضل الله تعالى الذي من علينا بهذه الثروات الهائلة، وهذه السياسات الهادئة التي حاولت تجنب المغامرات الهوجاء للكثير من السياسات الإقليمية.
نسأل الله أن ينفع الأمة بهذه الأجيال وأن يوجد لديهم الوعي الكافي بالدور المنوط بهم وأن يرفع ببلادنا وجيلنا أمة العرب والمسلمين وأن يوفقنا للمساهمة في نهضة العالم ونشر القيم الحضارية التي جاءت بها شريعة الإسلام السمحاء.
بالمناسبة: أعتقد أنك تعلم أن الأستاذ محمد المالكي يحضّر الآن الدكتوراه في الفيزياء النووية في فرانكفورت، ألمانيا. وأعتقد أنك لا تعلم أنه شرّف منزلنا في بريطانيا بزيارة السبت قبل الفائت (14.9.2013) حيث كان لديه مؤتمر في أكسفورد.
أشكر لك مرورك وتعقيبك اللطيف.
وأسأل الله لك التوفيق والتيسير حيثما كنت
وتقبل الاحترام