Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/faifaonl/public_html/wp-includes/formatting.php on line 4731
مشائخ .. واعلام .. ذكريات

ذكريات .. ومعلومات .. (5)

المنقا (عنب كوع)

ما إن تعطل المدارس وتبدأ الإجازة الصيفية، حتى يبادر أهالينا بالبحث عن معلم يدرسنا القران الكريم، وهو ما يعرف حينها بالمعلامة ، ويسمى في بعض المناطق بالكتّاب، فإذا ما وجدوا الشخص المناسب، اتفقوا معه على الوقت والمكان، ثم كل يبلغ ابنه أو قريبه بضرورة التواجد والحضور إلى هذا المكان المخصص، ويكون في العادة موقعا وسطا ليخدم الجميع، وقد يكون بالنسبة لنا عادة أما في النفيعة أو نيد الدارة أو نيد اللمة أو علي المسلم، وغيرها من الأماكن القريبة التي يسكن حولها مجموعة من الطلاب، وإذا كان المعلم من أهل البلدة فعادة ما نذهب إليه في بيته، أو عند مسجده أو المسجد القريب من سكنه، وهكذا يتكرر الوضع كل عام، فنجدهم يوجهوننا إلى جهة جديدة، لنتردد عليها كل يوم للاستزادة من العلم وقراءة القران الكريم وتجويده، وما ذلك إلا حرصا منهم على تأهيلنا واستفادتنا، لان معظمهم يرون أن بقائنا طوال شهور الإجازة الصيفية دون تعلم مضيعة وإهدار للوقت، فلا بد من استمرارية التعلم وزيادة مهارة قراءة القرآن الكريم، فكنا لأجل ذلك نشعر في أنفسنا بشيء من الغبن والإحباط، ويزداد علينا هذا الإحساس كلما قابلنا بعض زملائنا ممن لم يكلفهم أهلهم بالدراسة مثلنا، فكانت نظرتنا ونحن في هذه السن لا شك قاصرة، لأننا لا ننظر غالبا إلا لما قد يفوتنا من المتع والراحة الوقتية، التي سنحرم منها بسبب هذا الواجب.

   كان التعليم في فيفاء منتشرا من فترات طويلة، ويحرصون على طلبه اشد الحرص، وكان للمتعلم لدى الناس مكانة عالية، بل من النادر أن تجد شخصا لا يقرا ولا يكتب، وبالذات قراءة القران الكريم، فقد انتشرت المدارس المختصة بتدريسه في عدة نواحي، بل هناك بيوتات منذ القدم اشتهر أهلها بالعلم والتعليم ، وعادة المتعلم يجلس لتدريس الطلاب إما عند بيته أو عند احد المساجد، أو يهيأ له مكانا مناسبا لهذا الغرض ولو تحت ظل شجرة، فالغاية تعليم الناس وبذل ما أعطاه الله من العلم، ويقبل الناس عليه بأبنائهم ينشدون العلم، ويتم التعليم بأبسط السبل وما يتوفر من الإمكانيات، وبالوسائل المتاحة لهم بين أيديهم ، والغالبية لا تتوفر لهم متطلبات العلم وأسباب طلبه، فلا يحصل احدهم على مصحف ولا على دفاتر ولا أقلام،  فتجد مع ذلك كل طالب يسعى لتهيئة نفسه بما يلزم من المتوفر بين يديه، وحسب الإمكانيات المتاحة أمامه، فيقوم الطالب بصنع لوح خشبي مناسب ليكتب عليه، وهو في العادة يصنعه من أي خشبة متوفرة، إما من صندوق تالف مرمي، أو أي مصدر آخر من الأخشاب متيسر، ويقوم بتعديل هذه الخشبة وتشذيبها لتصبح متساوية الأطراف ، مربعة أو على شكل مستطيل، وقد يبقي في احد أطرافها مقبضا على حجم قبضة اليد يمسكه به، وقد يثقب هذا المقبض ويربط فيه شريطا يسهل به حمل اللوح وتعليقه، فإذا ما تهيأ اللوح بالشكل المناسب المرغوب، قام بصبغه بالصبغة المتوفرة ، وكان هذا الصباغ المتوفر غالبا هو القتام المستخرج من الفوانيس(سراج القاز)، المتكون من أثر اشتعال القاز، وما يتخلف من دخانه المتراكم على شكل طبقات في السقف العلوي من رأس السراج، ويتم استخراجه بعد نزع زجاجة السراج حتى لا تنكسر، ثم يسحب رأس السراج إلى الأعلى في أقصى مجراه ، ويطلقه بقوة ليرجع إلى مكانه لعدة مرات، فيتساقط بسبب هذه الاهتزازات القوية بقايا هذا القتام، ليتم جمعه من عدة اسرجة بهذا الشكل،  حتى يجتمع ما يكفي لصبغ اللوح ، حيث يعجن هذا القتام بقليل من الماء، ثم يدلك به كامل اللوح بقوة ولعدة مرات إلى أن يثبت تماما ، وبعد ذلك يعرض للهواء حتى ينشف تماما ، وقد يدهن بعدها بواسطة بعض النباتات لتثبيته ، حيث يستخدمون عادة ورق شجر(الهطف) المتسلقة، التي يصقل بها اللوح حتى يغدو صقيلا لامعا، وهنا يكون اللوح جاهزا للاستعمال للكتابة.

   اما تحضير دواة الكتابة، وهي في العادة من مادة النورة البيضاء، حيث يختار لها علبة صغيرة من الصفيح، أو الزجاج أو القرع ، ويضع بداخلها قليلا من القطن (عطبا)، ثم ينثر فوقها مسحوق النورة ، ويبل بالماء ويعجن مع القطنه حتى تتشربه تماما ، ويتعاهدها بعد ذلك لتبقى رطبة باستمرار، لأنها إن جفت جمدت وفسدت، وكلما أراد استخدامها للكتابة ، أضاف إليها قليلا من الماء، ويتوقف على حسن معادلتها جودة الخط وثباته ، وكلما فرغ من الكتابة أراق الماء الزائد بالضغط على القطنه بإصبعه وسكب مائها في الأرض، حفاظا على أن لا يندلق هذا الماء على ملابسه وادواته عند حملها، وإذا أراد معاودة الكتابة قام بتعويض هذا الماء المسكوب.

       وأقلام الكتابة المناسبة (الريشة)، تتخذ من عيدان قصب (الرأي)، قصب طويل قوي ومعمر، يكون  مجوف من داخله ، ولا يوجد في فيفاء إلا في أماكن محدودة، يعتني فيها أهلها بزراعته والمحافظة عليه، فتجدهم يزرعونها حول بيوتهم في الأماكن الرطبة التي يكثر فيها الماء، وهو يستخدم لعدة أغراض وأهمها ريش الكتابة هذه ، وفي العادة هولاء لا يمنعون راغبا في اخذ شيء منها، فيأخذ الواحد قصبه طويلة أو أكثر ، يحتفظ بها في بيته ليستخدمها على قدر حاجته، فقصبه لا يتلف بسرعة بل يبقى لسنين عديدة، وصناعة الريشة منه (القلم) سهلة وبداية، يختار منها الحجم المناسب وفي حدود الشبر تقريبا (من عشرة إلى خمسة عشر سم)، فيستخدمها كما هي أو يفلقها إلى فلقتين، ويبرى احد طرفيها بسكين حاد، إلى أن يصبح رأسها مدببا حادا، ثم يشق هذا الرأس قليلا بطريقة موزونة من خبير يتقن ذلك ، والغاية من هذا الشق حتى يحتفظ بكمية مناسبة من الحبر عندما تغمسها فيه، مما يمكنك من استخدامه في الكتابة لفترة أطول، وهو يعين كذلك على وزن الحبر عند نزوله على سطح اللوح ، فيخرج خطا جميلا مستقيما، وكلما فرغ حبر القلم غمسته في الاداوة مرة أخرى ، ليلتقط الكمية المناسبة من الحبر، فإذا ما علق به أكثر من المطلوب، نفضته قليلا حتى يزول الحبر الزائد، ويبادر بالكتابة به على اللوح قبل أن يجف، وهكذا يغمسه مرة بعد أخرى في المحبرة (الدواة) وبنفس الطريقة السابقة ، يكررها باستمرار حتى يستكمل من كتابة ما رغب في كتابته، ومع الممارسة واكتساب الخبرة يتحسن خطه ويتناسق شكلا ومضمونا.

      كان كل طالب ملزم بكتابة دروسه بهذه الطريقة، فالمصاحف المطبوعة نادرة الوجود ، ولا تتوفر عند معظم الطلاب، وقد لا يوجد منها إلا مصحف واحد لدى المعلم ، ومن يملك مصحف فهو يحرص اشد الحرص على المحافظة عليه سليما ، وكانوا لأجل ذلك يذهبون به إلى احد المختصين (الحباك)  يقوم على تضمين أوراق المصحف، ويدعمها حتى تبقى قوية متماسكة، حيث يقوم هذا (الحباك) بتغليف المصحف بالقماش وتصميغه وخياطته، ثم يربط أجزائه الورقية ببعض الخيوط والغراء، ثم يصنع له (كيسا) خباء أو شنطة من القماش ليحفظ فيها، ويجعل لهذا الكيس حزاما طويلا يعلق به ويحمل منه.

  كان الطالب الذي لا يوجد لديه مصحف خاص به، عليه أن يقوم بكتابة درسه من احد المصاحف الموجودة على لوحه الخاص، ومن خلال هذا اللوح يقرأ دروسه، فإذا ما حفظ هذا الدرس وأتقنه وأجازه المعلم، قام بمسحه من لوحه بخرقة مبللة حتى ينظف تماما ، ثم كتب درسا آخر جديد بنفس الطريقة السابقة، ومع تكرار ذلك كل يوم يتعلم الطالب القراءة والكتابة في آن واحد.

    يبدأ الطالب المبتدأ بتعلم الحروف الهجائية إلى أن يتقنها، بما يسمونه بـ(الأبواب) ولعله اسم جمع (لباب)، فهو باب أساسي لدخول ساحة العلم ، ويتم تعلمها بما هو معروف بـ(الطريقة البغدادية)، حيث يبدأ فيها الطالب بتعلم وحفظ حروف الهجائية المجردة، وبعد إتقان حفظها تماما، يتعرف على أوصاف كل حرف منها، من حيث وضع النقاط عليه إن كان ذا نقاط، فيقول مثلا الألف لا شيء عليه (أي ليس عليه نقاط)، باء نقطة من أسفل، تا ثنتين من أعلى، ثا ثلاث من أعلى، جيم نقطة من أسفل، وهكذا إلى نهاية الحروف الهجائية، ثم يتنقل إلى معرفة حالة الحرف مع الحركات، فيبدأ أولا بحاله مع السكون أو الوقف، فهو يسمى بالتسميتين (وقوف وسكون)، فيقول فيها أْ : تلفظ آهمز بسكنه،  بْ : أبْ سكنه، تْ : اتْ سكنه، ثْ: أثْ سكنه ، او اْ : آهمز مآقوف، بْ: أبْ وقف، ثْ: أثْ وقف، ثم حالها مع حركة النصبة (الفتحة) ومع حركة الخفضة (الكسرة) ومع حركة الرفعة (الضمة)، اَاِاُ بَ بِ بُ فيلفظها آ نصبة إي خفضة أو رفعة با نصبة  بي خفضة بو رفعة ، ثم يتلوها حالها مع حركات التنوين، بالنصبتين ثم بالخفضتين ثم بالرفعتين، ثم يتلو ذلك حالها مع حركات التشديد، مقرونة أولا مع النصبة ثم مع الخفضة ثم مع الرفعة ، ثم التشديدة مع التنوين في النصب والخفض والرفع ، وبعد ذلك يتعرف على تكوينات كل حرف على حده، فيقول الف : يتكون من ألف ولام وفا(ألف ـ لام ـ فا) ، با : يتكون من با وألف (با ـ ألف)، تا : يتكون من تا وألف (تا ـ ألف)، ث : ثا وألف (ثا ـ ألف) ، ج : (جيم ـ يا ـ ميم) ، وبنفس هذه الطريقة يستعرض سور القران الكريم، بادئا بالفاتحة، ثم قصار السور ، الناس والفلق والإخلاص ، قائلا مثلا بسم: (با ـ سين ـ ميم)، الله : (ألف ـ لام ـ لام ـ ها) ، الرحمن : (ألف ـ لام ـ راـ حا ـ ميم ـ نون) ، الرحيم : (ألف ـ راـ حا ـ ياـ ميم) ، الحمد : (ألف ـ لام ـ حا ـ ميم ـ دال) ، لله: (لام ـ لام ـ ها) ، … الخ فلا ينهي الطالب ذلك إلا وقد المّ بكثير من العلوم، بالحروف وأشكالها وحالها مع الحركات، ومكونات كل حرف، إضافة إلى إتقانه قراءة القرآن الكريم وكتابته، وكان بعض المعلمين كمراجعة مستمرة لتثبيت المعلومات، يفرض على الطلاب قبل الانصراف في نهاية اليوم الدراسي، أو في نهاية كل أسبوع، أن يرددوا ما قرؤوه جماعيا، ابتداء من (ألف ـ با) إلى أن ينهوا الحروف الهجائية، ثم ينتقلون بعدها إلى قصار السور، فيقرؤون ما شاء الله لهم منها تصاعديا، يرددونها خلف احدهم ، حيث يتناوب الطلاب كل واحد منهم يقرأ سورة، أو يرددونها مجتمعين في وقت واحد، فإذا ما حان الانصراف ختمت أو أقفلت بما يسمونه (التغفيرة أو الغفارة) أي طلب المغفرة لهم ولمعلمهم ولوالديهم، في عبارات جميلة ملحنة ، وقد تختلف هذه (الغفارة) من معلم إلى آخر، ومنها قولهم : (بسم الله وبالله ، والأسماء الحسنى كلها لله ، واشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أن محمدا عبده ورسوله ، اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد ، غفر الله لمعلمنا ولوالديه ، ولوالدينا مع والديه ، ولمن أدخلنا نقرأ ونتعلم بين يديه ، ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات ، بحق منى وعرفات ، وزمزم ومزدلفات ، وعمّ والنازعات ، وعبس والغاشيات ، والزلزلة والعاديات ، والنصر والمعوذات ، وما في القران من الآيات ، ولمن قال آمين ، آمين يا رب العالمين ، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين) ، ومع نهايتها ينطلق الطلاب إلى منازلهم .

  فإذا ما أنهى الطالب القران الكريم كاملا، عاد الواحد منهم إلى قراءته مرة أخرى إن أراد ، فيما يسمى بالخوض، ويحاول في هذه المرة حفظه عن ظهر قلب، وطريقتهم في ذلك أنه بعد أن يكتب الدرس المقرر عليه في اللوح كاملا، واللوح يختلف حجمه كبرا وصغرا حسب عمر الطالب، وعلى قدر احتياجه من المساحة بما يناسب مستواه الدراسي ، فالطالب الذي يسعى إلى الحفظ حال الخوض كما ذكرنا، يكرر درسه ويردده إلى أن يحفظه تماما، وليتأكد من حفظه المتقن يمسح هذا الدرس من اللوح على مراحل،  حيث يبدأ بالمسح من وسط اللوح، فيمرر أصبعيه الوسطى والسبابة ماسحا بهما من أعلى اللوح إلى أسفله، ثم  يكرر القراءة فان استطاع استحضار كامل الدرس بسهولة مع ما قد مسحه منه ، انتقل إلى مسح حواف اللوح وأطرافه بنفس الطريقة السابقة ، وهكذا يخترم الكتابة شيئا فشيئا إلى أن يمسحها بالكلية، وبالطبع لا ينتهي من مسح الدرس من اللوح إلا وقد حفظه عن ظهر قلب، فيسمّعه على معلمه لتأكيد حفظه ليجيزه نهائيا، وهكذا ينتقل إلى درس آخر جديد، إلى أن يختم القرآن الكريم بكامله .

    وكما سبق وذكرت، أننا نحن الصغار في تلك الفترة ننتقل من معلم إلى آخر، ومنهم من يكون من أبناء البلد وبعضهم من الغرباء من اليمن، فالآباء يحرصون على أن يجدوا منهم من يتقن قراءة القران الكريم ، فيرسلون إليه لنتعلم منه أثناء العطلة الصيفية ، وفي أحد العطل الصيفية أرسلونا إلى معلم من أبناء البلد، يسكن في منطقة ذراع آل يحي علي، وكان بيته بعيدا جدا، فكنا نقطع أكثر من خمس (بقع) للوصول إلى بيته،  يتخللها كثير من المناطق الخالية من السكان ، وبعضها موحش لكثافة الأشجار والأحراش فيها، وتستغرق بنا الطريق أكثر من نصف ساعة في معظمها نركض، وكنا ننطلق من بيوتنا في جهة النفيعة مجموعة كبيرة مع الصباح الباكر، ونعود في المساء من نفس الطريق مجتمعين، ويحمل كل منا مصحفه ودفاتره أو لوحه، مع ما يكفيه من الأكل طول النهار، فيأخذ الواحد من بيته قرصا أو كسرة من الخبز (رشادا) ليأكل منها وقت الغداء، لأننا لا ننصرف إلا بعد صلاة العصر وقبل الغروب، فيكتفي معظمنا بالخبز إلا من أضاف له أهله شيء من الادام ، ويكون في الغالب حبة أو حبتين من الموز إن توفر، وبعضهم يأخذ قليلا من السكر في صرة، لان أهل المعلم في العادة يجهزون برادا كبيرا من قهوة القشر، وعندما يحين وقت الغداء حول صلاة الظهر ،يأخذ كل طالب فنجانا من هذه القهوة ، ومن كان لديه شيء من السكر أضافه عليها ، ويكون بذلك في قمة الرفاهية.

   وكنا في ذهابنا ومجيئنا إلى هذه المدرسة نقوم ببعض المغامرات والشطحات الطفولية، فكان البعض يقوم بشيء من الغزوات على بعض المزارع في الطريق ، فيتسللون في غفلة من أهلها لخطف شيء من الفاكهة كالموز أو الفركس (الخوخ)، أو أي شيء مناسب يجدونه، وأكثر هذه المزارع المثمرة في منطقة (المبعمة)، حيث يساعدهم فيها طبيعة مكانها داخل الوادي ، ولكثافة الأشجار فيها تحجب الرؤيا ، وصوت خرير الماء ونقيق الضفادع وأصوات الطيور تحجب الأصوات، ويتوفر بها كثيرا من أشجار الموز والفركس ، فيتسلل البعض لأخذ بعض ما طاب منها، وكان صاحبها رحمه الله كبير السن فإذا أبطئنا داخل هذه الأكمة ينادي علينا بصوت مرتفع،  يوهمنا فيه انه يرانا ونحن نعتدي على مزرعته، وليس الأمر كذلك، وهذه كانت من ضمن المتع والمغامرات التي نمارسها ، وتنسينا كثيرا من تعب الطريق ومشقته، وتزيل عنا بعض ما نشعر به من الرتابة والروتين الممل ، وتخفف عنا بعض ما نواجهه من حرقة الشمس أو لسعات الأمطار والبرد في بعض الأحيان .

  كان معلمنا قد اختار للمدرسة مكانا تحت شجرة كبيرة قريبة من منزله، نجلس تحتها فتظللنا معظم النهار، فإذا ما اشتدت الشمس واتجهت إلى جهة الغروب، دخلت أشعتها إلى ما تحت الشجرة، حتى لا يبقى لها ظلال، فننتقل عندها إلى داخل بيته ، كانت هذه الشجرة نادرة وغريبة، لم يشاهدها معظمنا من قبل، كان يسميها المعلم (عنب كوع)، اسم نسمعه لأول مرة، لم نلقي له بالا ولم نفهم له معنى ، مضت بنا الأيام حتى ألفناها وألفنا شكلها والجلوس تحت ظلالها ، وفي أحد تلك الأيام سرت حركة بين الطلاب، وهمسا غير معهودا، فكل يحدث من بجواره ويشير له إلى أعلى هذه الشجرة ، وهو بدوره يخبر الذي بجانبه بحذر، خشية إن يلحظهم المعلم، فيلسع الواحد بعصاته الطويلة التي لا ترحم، والتي تصل إلى كل الزوايا في المكان، وتسبب حرقة شديدة تبقى طول النهار، فالكل كان يحرص على عدم التعرض لها، فمن ذاقها مرة لن يطلبها مرة أخرى، كان مدار الهمس واللمز أنهم شاهدوا ثمرتين قد طلعتا في احد أغصان هذه الشجرة، وكانت الغرابة في شكليهما الطويل المنحني، فهما من جانب يشبهان ثمر العنب (العنبرود – البباي) ولكنهما اقل نحافة منها وأكثر طولا، وشكليهما منحن كانحناء الكوع، فإذا هذا الشكل هو سبب التسمية (كوع)، فأول الاسم مشتق من العنب، ولتمييزه بهذه الانحناءة أضيف لفظ كوع (عنب كوع) ، كان اكتشافنا لهذه الثمرة شيء جديد ، وحديث أثار الفضول ، فكان التساؤل كيف طعمها يا ترى، فهل هي حلوة كالعنب المسماة به، وكيف يا ترى شكلها الداخلي، هذه أشياء يصعب التحقق منها على ما يبدو ، شغلنا هذا الاكتشاف الجديد وصار مادة نتلهى بها عن دروسنا، وحركت رتابة برنامجنا وفضولنا، فكم من شقي حاول صعود الشجرة في غفلة من المعلم لاقتطاف شيء منها، وكانت بالطبع كل المحاولات تبوء بالفشل، لان المعلم لا يكاد يفارقنا، وإذا اضطر للغياب فترة قصيرة جعل علينا عريفا يرصد كل حركة وسكنة، ويا ويل من سجل اسمه ضمن قائمة العريف ، فالضرب الشديد في انتظاره مع عودة المعلم، مضت الأيام حتى كدنا ننسى تلك الثمرة ولم يعد لها اهتمام لدينا ، حتى ولا في النظر إليها ، وكانت آخر مرة لاحظناها وقد أصفر بعض جوانبها، ولا شك أنها قد طابت وحان قطافها.

    في احد الأيام ندب المعلم واحد من الطلاب قبل انصرافنا ليصعد الشجرة، وأمره أن يقطف هاتين الثمرتين، وما أسرع ما نزل يحملهما بين يديه، وشكلهما من قرب جميل جدا، صفرة ممزوجة باخضرار خفيف، مما يوحي بطعم حلو لذيذ ، ولكن لا سبيل إلى الوصول إليهما، كان يفصلنا عن الانصراف ما يقارب الساعة ، وكان شغلنا الشاغل طول تلك الفترة اختلاس النظر لهما بعدما استقرتا في الأرض عند قدمي المعلم ، وبعد أن هدأت أللجبة قليلا ، نادى المعلم على اخوين من زملائنا، ممن يحضرون معنا من النفيعة ، له بهما قرابة وصلة رحم، فلما اقتربا منه ناولهما الحبتين، وأمرهما بالانصراف حالا، وانطلقا راكضين لا بألواني على شيء ، واعين الجميع ترقبهما إلى أن غابا عن الأنظار، واحتجبا خلف ضلع الجبل المقابل، وغبطهما معظمنا على هذه العطية وعلى الانصراف المبكر، ولما حان موعد الانصراف انطلقنا إلى بيوتنا وفي الأنفس ما فيها، كان كل يتوق إلى تذوق هذه الفاكهة الغريبة، ولكن لا ينفع التمني (وهل ينفع شيء ليت)، ولكن ما إن وصلنا إلى منتصف الطريق إلا ونتفاجأ بهذين الزميلين ينتظراننا هناك ، ترى ما السبب ؟ يا الله هل ترى هما يريدان إشراكنا في تذوق ما معهما ؟ لا فليس الأمر كذلك ، بل كان الأمر اشد وأنكى ، فلم يكن قصدهما إلا إغاظتنا وإشعارنا بتميزهما، وهذا هو ما دعاهما إلى الانتظار(حركات صبيانية)، لذلك ما إن وصلنا إليهما حتى ابتدرا في الأكل من تلك الفاكهة، مع إظهار شيء من التلذذ المبالغ فيه ، والتظاهر بما يجدانه من متعة في حلاوتهما، حاولنا معهما بشتى السبل أن يشركانا حلاوة التذوق، فلم يستجيبا لرجائنا، وكنا معهما في اخذ وعطاء ومفاوضات شتى، فاحيان نترجاهما باسم الصداقة والرفقة والإخوة، ونذكرهما بما لنا عليهما من سوابق فضل وإحسان، ولكن لم يجدي ذلك معهما، فانتقلنا إلى التهديد والوعيد، ولكن كل ذلك لم يؤثر فيهما، وكلما أشتد التهديد ذكرانا بما سينتظرن في الغد من قبل المعلم أن اخبراه، فكان فيه الردع الشديد لنا، ونعاود من جديد أسلوب اللين والمسالمة، وهكذا نمازج بين الأسلوبين بأشكال متعددة، حرصا على عدم تفويت فرصة تذوق هذا الشيء الغريب، ولكنهما على ما يبدو قد عزما على عدم تمكيننا من هذه الأمنية، فقد واصلا أكلهما دون هوادة، حتى أتيا على كل ما هو رطب فيهما، ولم يبقى منهما إلا النواة اليابسة البيضاء، التي بدورهما أشبعاها مصا وعضا، حتى غدت وكأنه مر على أكلهما دهرا كاملا،  لذا حرمنا ذلك اليوم من شرف تذوق شيء منهما ، ومضينا إلى بيوتنا نحمل الحسرة.

  كانت تلك أول مرة أرى فيها ثمرة (العنب كوع)، ولم أرها بعد ذلك إلا بعد مضي سنين عديدة، ولكنه باسم آخر غير هذا الاسم ، فاكتشفت أن اسمها المشهور هو (المنقا)، لذلك عندما تحصلت عليها وتوفرت بين يدي، حاولت شفاء غليل منها وإشباع نهمتي فيها، وإزالة كل ما علق في نفسي من رغبة مكبوتة تجاهها، فالحمد لله الذي أطعمنا ورزقنا من غير حول لنا ولا قوة، وأغدق علينا نعمة ظاهرة وباطنة، انه جواد كريم وهاب  ( وقل ربي زدني علما ).

والى اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله .

                                            محبكم / عبد الله بن علي قاسم الفيفي ــ ابو جمال

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى

Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/faifaonl/public_html/wp-includes/formatting.php on line 4731